.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يُبقي المسجد الأقصى في وجدان المسلمين وبؤرة اهتمامهم - الحلقة الثالثة والأخيرة

==========================================================

 عن جَابِر بن عبد اللَّهِ، رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لَمَّا كذبتني قُرَيْشٌ، قُمْتُ في الْحِجْرِ، فَجَلَّى الله لي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عن آيَاتِهِ، وأنا أَنْظُرُ إليه)(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (أسرى بعبده ليلاً)
ركزت الحلقة السابقة في سياق إبراز مكانة المسجد الأقصى المبارك في الإسلام على قضية شد الرحال إليه، من خلال حصر شد الرحال التعبدي بهذه المساجد الثلاثة، والربط الوثيق بينها، وفي ذات السياق تم الوقوف عند كون المسجد الأقصى المبارك ثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة الله، مع ما تحمله هذه الدلالة من أهمية وجودية، وأسبقية تاريخية، تدعم حق المسلمين فيه.

الإسراء إلى المسجد الأقصى المبارك
تُظهر حادثة الإسراء عمق الربط الذي تم بين المسجد الأكبر والأعظم والأقدم في تاريخ البشرية، والمسجد الأقصى في تلك الرحلة الدينية والتاريخية، حيث شكل المسجد الأقصى أحد طرفي الرحلة مكانياً، بينما كان الطرف الآخر هو المسجد الحرام في مكة المكرمة، الذي لا يختلف مسلمان على عظم قدره، وفي الحديث أعلاه دحض واضح لأباطيل الزاعمين أن المقصود بالمسجد الأقصى الذي تم إليه الإسراء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، هو مسجد وهمي موجود في جزء من أنحاء الجزيرة العربية، وأنه ليس مسجد بيت المقدس، فذلك زعم باطل، ويخدم نظريات مشبوهة، تهدف إلى زعزعة إيمان المسلمين بمكانة المسجد الأقصى المبارك، حتى يتم التهاون فيه، والاستهانة بما يجري له من تدنيس ومحاولات اقتلاعه من الوجود وهدمه ومحوه، والرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه أعلاه يبطل هذه المزاعم الهاوية، فبعد تكذيب قريش، لحادثة الإسراء، قام في الحِجر، وصار يرد على ما يطرحون عليه من أسئلة لاختبار صدقه، بشأن ذهابه إلى بيت المقدس وعودته في الليلة ذاتها، فَجَلَّى الله له بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْ يُخْبِرُهُمْ عن آيَاتِهِ، وهو ينْظُرُ إليه، مما يعني أن رحلة الإسراء أفصحت بجلاء عن عمق الصلة المتجذرة بين المسجدين الحرام في مكة المكرمة، والمسجد الأقصى المبارك في القدس، جاء في عمدة القاري، أن قوله: (لما كذبني قريش) وفي رواية الأكثرين: (لما كذبتني) بالتأنيث، وقوله: (في الحِجر)
بكسر الحاء، وهو تحت ميزاب الكعبة، وقوله: (فجلى الله) أي كشف الله تعالى، وقوله: (فطفقت) من أفعال المقاربة، بمعنى شرعت وأخذت، (أخبرهم) من الإخبار، وقوله: (عن آياته) أي علاماته، والذي سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يصف لهم بيت المقدس هو المطعم بن عدي، وكان في القوم من سافر إلى بيت المقدس، ورأى المسجد، فقيل له: (وهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟... فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ، وَأَنَا أَنْظُرُ...، فَنَعَتُّهُ... فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللهِ لَقَدْ أَصَابَ)(مسند أحمد، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين).(عمدة القاري: 19/23).
فهذا الحديث الشريف يؤيد اليقين بالمكان الذي يقع فيه المسجد الأقصى المبارك، وهو بيت المقدس، دون سواه.

المسجد الأقصى في عقيدة المسلمين وعبادتهم
حادثة الإسراء من خلال الأحاديث الصحيحة الدالة عليها، أو المخبرة عنها، أو التي تصفها، كالحديث الشريف الذي بين أيدينا أعلاه، وحديث ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} قال: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ، أُرِيَهَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قال: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في الْقُرْآنِ} قال: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ)(صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج) وما رواه أبو هُرَيْرَةَ، قال: (أُتِيَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ من خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، قال جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لو أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ)(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام)
فهي أدلة شرعية دامغة تتضافر لتؤكد أن المسجد الأقصى المبارك موجود في بيت المقدس، ولا وجود لمكان مسمى به في الدنيا جميعها سواه، وإيلياء اسم من أسمائها القديمة، وهذه الأحاديث الشريفة تتضافر مع السورة القرآنية المسماة بالإسراء، والمفتتحة بالإخبار عنه في قوله عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الإسراء:1)، ويتلوها المسلمون تعبداً في صلاتهم وغيرها، كل هذه الأدلة الشرعية تعزز مكانة المسجد الأقصى وبيت المقدس في قلوب المسلمين ووجدانهم، بما لا يبرر لصغارهم وكبارهم، ولعامتهم وخاصتهم، التفريط بالقدس والمسجد الأقصى فحسب، بل إن من القبح الديني والإثم البالغ أن يتخلى بعضهم عن نصرة المسجد الأقصى والقدس التي تحتضنه، وهما يرزحان تحت نير الاحتلال الغاشم.
سائلين الله العلي القدير أن يهدي المسلمين لحماية مسجدهم الأقصى والعمل على تحريره، وشد الرحال إليه، والمرابطة فيه، لينالوا بركة ذلك وثوابه، حسب ما وعدهم رسولهم الأعظم، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
7 محرم 1441هـ

تاريخ النشر  2019-09-06
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس