.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يوصي بالأم وبرها - الحلقة الرابعة والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، قِيلَ: من يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: من أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أو كِلَيْهِمَا، فلم يَدْخُل الْجَنَّةَ) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة)
الحلقة السابقة ركزت على جانب قضاء العبادة عن الوالدين، ومن ذلك الحج عنهما والصوم والصدقة، إضافة إلى الدعاء لهما، حيث إن من أعمال الإنسان التي لا تنقطع بعد مماته أن يكون له ولد صالح يدعو له، ويشمل ذلك الأبوين، الأب والأم.
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، في الحديث أعلاه، يبكت الابن الذي يضيع فرصة دخول الجنة ببر والديه أو أحدهما، ولفظ (رغم) عند أهل اللغة معناه ذل، وقيل: كره وخزي، وهو بفتح الغين وكسرها، وأصله لصق أنفه بالرغام، وهو تراب مختلط برمل، وقيل: الرغم كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه، وفيه الحث على بر الوالدين، وعظم ثوابه، ومعناه أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة أو النفقة أو غير ذلك، سبب لدخول الجنة، فمن قصر في ذلك فاته دخول الجنة، وأرغم الله أنفه. (صحيح مسلم بشرح النووي 16/108- 109)

صلة الأم غير المسلمة
الحث على البر يشمل الوالدين لصفتهما هذه، بغض النظر حتى عن الاختلاف في الدين معهما، فعن أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ، رضي الله عنهما، قالت: (قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قلت: وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قال: نعم، صِلِي أُمَّكِ) (صحيح البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهدية للمشركين)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، أجاب سائلته عن صلة أمها المشركة بالإيجاب، ومما يستفاد منه جواز صلة الرحم الكافرة، كالرحم المسلمة، وفيه مستدل لمن رأى وجوب النفقة للأب الكافر، والأم الكافرة، على الولد المسلم. (عمدة القاري 13/173)
ولم تكن قصة أسماء وبر أمها المشركة بالنادرة، ففي هذا السياق يرد التوجيه القرآني إلى بر الوالدين، وهما مشركان فحسب، بل وهما يمارسان ضغوطاً على ابنهما المؤمن؛ ليكفر بالإسلام، فعن مُصْعَبُ بن سَعْدٍ، عن أبيه، (أَنَّهُ نَزَلَتْ فيه آيَاتٌ من القُرْآنِ، قال: حَلَفَت أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حتى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، ولا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ، قالت: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وأنا أُمُّكَ، وأنا آمُرُكَ بهذا، قال: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حتى غُشِيَ عليها من الْجَهْدِ، فَقَامَ ابن لها، يُقَالُ له عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو على سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ الله عز وجل في الْقُرْآنِ هذه الآيَةَ: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ على أَنْ تُشْرِكَ بِي} وَفِيهَا {وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، باب في فضل سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه)
التوجيه القرآني لمن يجاهده والداه أو أحدهما ليكفر، وينحرف عن جادة الحق، جاء في موضعين، قرن رفض طاعتهما فيما يريدان مع التوصية بالإحسان إليهما، فيقول عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت: 8)
وفي سورة لقمان، يقول تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان:14-15)
وضرب أبو هريرة مثلاً رائعاً في بر والدته قبل أن تسلم، فيقول: (كنت أَدْعُو أُمِّي إلى الإِسْلامِ، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فأسمعتني في رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ما أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وأنا أَبْكِي، قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إني كنت أَدْعُو أُمِّي إلى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا اليَوْمَ، فأسمعتني فِيكَ ما أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: اللهم اهْدِ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فلما جِئْتُ فَصِرْتُ إلى الْبَابِ، فإذا هو مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ، فقالت: مَكَانَكَ يا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاء،ِ قال: فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عن خِمَارِهَا، فَفَتَحَتْ الْبَابَ، ثُمَّ قالت: يا أَبَا هُرَيْرَةَ، أشهد أن لا إِلَهَ إلا الله، وأشهد أن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قال: فَرَجَعْتُ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُهُ، وأنا أَبْكِي من الْفَرَحِ...) (صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي هريرة الدوسي، رضي الله عنه)
فالإسلام أعطى مساحة واسعة للاهتمام ببر الوالدين، وشن حرباً قاسية على عقوقهما، حتى إنه اعتبر التسبب بسبهما خطيئة، بل كبيرة من الكبائر، وبما أن المجال ضاق بعرض مزيد من جوانب الحث على بر الوالدين، فنكتفي بما تم عرضه، عسى أن تتحقق به الأهداف المرجوة منه، في تحقيق العناية بالوالدين وبرهما حسب ما جاء في القرآن الكريم، وسنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
29 رجب 1440هـ

تاريخ النشر  2019-04-05
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس