.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يوصي بالأم وبرها - الحلقة الثالثة  

==========================================================

 عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما،: (أَنَّ امْرَأَةً من جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فلم تَحُجَّ حتى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عنها؟ قال: نعم، حُجِّي عنها، أَرَأَيْتِ لو كان على أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قاضية؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ)(صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة)
مما وضحته الحلقة السابقة بشأن الحث على بر الوالدين، تقديم هذا البر على الجهاد في سبيل الله، الذي يكون فرض كفاية، ومما يؤكد تقديم بر الوالدين على هذا النوع من الجهاد، ما وجه به الرجل الذي جاء يطلب الإذن بالجهاد، فوجه إلى المجاهدة في والديه، وذلك ببرهما، والإحسان إليهما، فذلك يقوم له مقام قتال العدو، وأجملت الحلقة السابقة أيضاً مبررات نيل بر الوالدين منزلة متقدمة في سلم أحب الأعمال إلى الله تعالى، وبخاصة تقدمه على أعمال عظيمة مثل الجهاد والحج.

استنباطات من الحديث
جاء في فتح الباري، أن قوله: (أَرَأَيْتِ...إلخ) فيه مشروعية القياس، وضرب المثل، ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع، وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل، بما اتفق عليه، وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتبت على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي، وأدعى لإذعانه، وفيه أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلوماً ومقرراً، ولهذا حسن الإلحاق به، وفيه إجزاء الحج عن الميت، وفيه أن من مات وعليه حج، وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه، من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال، فكذلك ما شبه به في القضاء، ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته، من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك، وفي قوله: (فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) دليل على أنه مقدم على دين الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل بالعكس، وقيل هما سواء. (فتح الباري، 4/66)

قضاء العبادة عن الوالدين
الحديث الشريف أعلاه، يبرز لوناً من ألوان بر الأم، ومثلها الأب كذلك، وفيه إجابة إيجابية للسائلة بشأن حجها عن أمها، مع الاستدلال بصورة مقنعة لهذا الجواز، من خلال سؤالها عن قضائها ديون أمها لو وجدت، واستطرد دون أن ينتظر إجابتها في هذه الرواية عن سؤاله، كون الإجابة البديهية ستكون بالإيجاب، فقال: (اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) وفي الرواية التي سألت فيها المرأة عن الصوم نيابة عن أمها الميتة، طرح عليه الصلاة والسلام عليها السؤال نفسه، فأجابت بنعم، فقال لها: (فَصُومِي عن أُمِّكِ) فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (جَاءَت امْرَأَةٌ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عنها؟ قال: أَرَأَيْتِ لو كان على أُمِّكِ دَيْنٌ، فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عنها؟ قالت: نعم، قال: فَصُومِي عن أُمِّكِ) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت)
ولم تقتصر مشروعية قضاء العبادة عن الأم فحسب، بل تشمل الأب كذلك، فعن عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (كان الْفَضْلُ رَدِيفَ النبي، صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَت امْرَأَةٌ من خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إليه، فَجَعَلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فقالت: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كَبِيرًاً، لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عنه؟ قال: نعم، وَذَلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ)(صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج المرأة عن الرجل)
ويعاضد الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفاً روايات صحيحة، أسندت لابن عباس، ولغيره من الصحابة، رضي الله عنهم، بصيغ مشابهة، أو مع بعض الاختلاف، لكنها جميعها تحث على أداء بعض العبادات الواجبة التي مات الوالدان أو أحدهما دون أدائها، أو على الأقل تبين مشروعية ذلك.
ومن العبادات التي يشرع أداؤها عن الوالدين بعد مماتهما، الصدقة عنهما، فعن عَائِشَةَ: (أَنَّ رَجُلاً أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، ولم تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لو تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إن تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: نعم)(صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه)

انتفاع الوالدين المتوفيين من دعاء أبنائهما
ينسجم مع فحوى ما دلت عليه الأحاديث سالفة الذكر، أن الدعاء للوالدين من أبنائهما يبقى لهما ذخراً بعد وفاتهما، بعد انقطاع متعلقات الدنيا عنهما، فعن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ، إلا من ثَلاثَةٍ؛ إلا من صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) (صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته)
فبر الوالدين لا ينقطع مع موتهما، بل يبقى مجاله مفتوحاً أمام الأبناء، ليتقربوا به إلى الله تعالى بالصور والكيفيات المشروعة والمتاحة، وعلى رأس ذلك الدعاء لهما، والتصدق عنهما، وإحسان العمل والسلوك من قبلهم لينتفع بمثوبته الوالدان.
آملين متابعة الوقوف عند مزيد من جوانب هذا الموضوع، في ضوء توجيهات الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
22 رجب 1440هـ

تاريخ النشر  2019-03-29
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس