.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يودع رمضان بشد المئزر، وإحياء الليل، وإيقاظ الأهل

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا دخل الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ)(صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان)
بضع أيام ويودعنا شهر رمضان لهذا العام 1440هـ، فهنيئاً لمن وفقه الله لحسن صيامه، وقيام ليله، وبهذه المناسبة يحسن التذكير بسنة الاجتهاد في أداء مزيد من العبادة النوعية قبيل وداع رمضان، فكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، أي أنه كان يحرص على أداء مزيد من العبادة في الثلث الأخير من رمضان، جاء في عمدة القاري، أن قوله: (إذا دخل العشر) أي العشر الآخر، وقوله: (شد مئزره) أي إزاره، وهو كناية إما عن ترك الجماع، وإما عن الاستعداد للعبادة، والاجتهاد لها، زائداً على ما هو عادته صلى الله عليه وسلم، وإما عنهما كليهما معاً، ولا ينافي إرادة الحقيقة أيضاً بأن شد مئزره ظاهراً أيضاً.(عمدة القاري:11/139-140)
وورد بيان الحرص على تكثيف العبادة في العشر الأواخر من رمضان في روايات صحيحة أخرى، فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إذا دخل الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ)(صحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان)، و(كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَجْتَهِدُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مالا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ)(صحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان)
فهذه الروايات الصحيحة تتضافر في التأكيد على الاجتهاد في العبادة مع وداع رمضان، ويبدأ الحرص على زيادة التعبد في رمضان بدءاً من الليلة الأولى من ليالي العشر الأواخر من رمضان، ومن دلالات هذا الحرص شد المئزر، وإحياء الليل، وإيقاظ الأهل ليشاركوا في تقديم المزيد من الطاعة والعبادة في هذه الليالي المباركة.

الاعتكاف في العشر الأواخر
دلت الأحاديث الصحيحة سالفة الذكر على أهمية إحياء ليالي العشر الأواخر من رمضان، وفصلت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، كيفية هذا الإحياء، فقالت: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يَعْتَكِفُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ من رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ له خِبَاءً، فَيُصَلِّي الصُّبْحَ، ثُمَّ يَدْخُلُهُ، فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لها، فَضَرَبَتْ خِبَاءً، فلما رَأَتْهُ زَيْنَبُ بنت جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فلما أَصْبَحَ النبي، صلى الله عليه وسلم، رَأَى الأَخْبِيَةَ، فقال: ما هذا؟ فَأُخْبِرَ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، آلبر تُرَوْنَ بِهِنَّ؟ فَتَرَكَ الاعْتِكَافَ ذلك الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا من شَوَّالٍ)(صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف النساء)
فقد ثبت في الروايات الصحيحة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وكان يعتكف في المسجد، فيمكث فيه، يصلي، ويذكر الله، ويستغفره، ويقرأ القرآن، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة ماسة، ومن أحكام الاعتكاف أن النية تشترط له كسائر العبادات، والمسجد شرط لاعتكاف الرجال دون النساء، فالمرأة يمكنها الاعتكاف في مسجد بيتها، إلا إذا تيسر لها الاعتكاف في مسجد مع أمن الفتنة، وبعد استئذان الزوج، ويمنع المعتكف من معاشرة زوجه، لقوله تعالى:{...وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا...}(البقرة:187) وتفاصيل أحكام الاعتكاف وآدابه، يمكن الاطلاع عليها في كتب الفقه ومصادره.

إحياء ليلة القدر في المسجد الأقصى المبارك
يحيي المسلمون بعد غروب شمس هذا اليوم ليلة القدر، التي يكون لإحيائها في جنبات المسجد الأقصى المبارك فضل خاص، يدركه الذين يشدون الرحال إليه من بقاع الدنيا، وبخاصة من القاطنين في أكنافه، ممن تتاح لهم فرصة الوصول إليه، لإقامة الصلاة وتلاوة القرآن، إضافة إلى المساهمة في الإثبات للدنيا بأسرها بمدى الحب المكنون في صدور المسلمين لمسجدهم المبارك، ومسرى نبيهم، صلى الله عليه وسلم، وقبلتهم الأولى، فهنيئاً لهم أن يسر الله لهم إقامة هذه الليلة المباركة، التي هي خير من ألف شهر في هذا المكان الطاهر المحاصر من قوى البغي والطغيان، راجين لهم أن يؤدوا عبادتهم فيه بخشوع وحرص على قداسته، وأن ينتهزوا كل ساعات تلك الليلة بالصلاة والذكر، ليفوزوا برضا الله وحسن مثوبته.

غفران ما تقدم من الذنوب
وُعد الصائمون القائمون بغفران ذنوبهم، شريطة الإخلاص لله تعالى في صيامهم وقيامهم، ومما يدعو للتدبر العميق أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كرر اشتراط الإيمان والاحتساب للمثوبة على الصيام والقيام بالغفران، حين وعد أصحابهما بذلك، فعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان) وعنه، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من قام رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب تطوع قيام رمضان من الإيمان) وعنه، قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (من يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قيام ليلة القدر من الإيمان)
راجين الله العلي القدير أن يمن علينا والصائمين بالمغفرة والقبول، وأن يكتبنا ممن يزحزحون عن النار، ويدخلون الجنة بسلام مع الأبرار، وأن يكرمنا بالشرب من حوض نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
26 رمضان 1440هـ

تاريخ النشر  2019-05-31
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس