.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينهى عن الفسوق في الحج  

==========================================================

 الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، فعن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس)
فرضه الله تعالى على المسلم المستطيع مرة في العمر، فقال جل شأنه: {... وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97)

الحج بلا مثالب
وعد الله الذي يؤدي الحج إيماناً واحتساباً لوجهه الكريم، المغفرة، التي من شروط نيلها البراءة من الرفث والفسق، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من حَجَّ هذا الْبَيْتَ، فلم يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كيوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (صحيح البخاري، كتاب المحصر، باب قول الله تعالى: {فلا رفث}) (البقرة: 197)
وما جاء على لسان الرسول، صلى الله عليه وسلم، بشأن هذا الاشتراط ينسجم تماماً مع مضمون النهي الإلهي عن الرفث والفسق في الحج، حسب ما جاء في قوله عز وجل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (البقرة: 197)
فالبراءة من التلبس بالرفث والفسق في الحج، شرط لنيل الجائزة الموعودة بالرجوع من الحج صفحة بيضاء من الخطايا والذنوب، كيوم ولد الإنسان، فخرج إلى الدنيا بريئاً منها، مصداقاً لما روي عن أَبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (ما من مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ على الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وينصرانه، أو يُمَجِّسَانِهِ، كما تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يقول أبو هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه: {فِطْرَت اللَّهِ التي فَطَرَ الناس عليها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلك الدِّينُ الْقَيِّم}) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي، فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام)، وحتى يكون الحاج على بصيرة من أمره، لا بد له ابتداءً من فهم معنى الرفث والفسق والجدال حتى يحذرها، ويتجنب الوقوع في شباكها.

المقصود بالرفث والفسق والجدال
جاء في التفسير أن صيغة الخبر في قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} أريد بها الإنشاء، أي فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجادل، وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية، والمراد بها الإنشاء، لأسباب، منها: التفاؤل، كقولك رحم الله زيداً، فالصيغة خبرية، والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة، ومنها إظهار تأكيد الإتيان بالفعل، وإلزام ذلك، كقوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...} (الصف: 10-11)؛ أي آمنوا بالله، بدليل جزم الفعل في قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ...} (الصف: 12) فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}؛ أي آمنوا بالله يغفر لكم ذنوبكم، كقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ}(التوبة: 14)، ونحو ذلك، فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية، هو إظهار التأكد واللزوم في الإتيان بالإيمان، فعبر عنه بصيغة الخبر لإظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه، وفيه أيضاً أن الأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:
أحدهما مباشرة النساء بالجماع ومقدماته، والثاني الكلام بذلك، كأن يقول المحرم لامرأته إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا، ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} (البقرة: 187) فالمراد بالرفث في الآية المباشرة بالجماع ومقدماته، ومن إطلاق الرفث على الكلام، قول العجاج:
ورب أسرابٍ حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم
والأظهر في معنى الفسوق في الآية، أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة الله تعالى، ومنه قول العجاج:
يهوين في نجدٍ وغوراً غائراً فواسقاً عن قصدها جوائرا
يعني بقوله فواسقاً عن قصدها، خوارج عن جهتها التي كانت تقصدها.
والأظهر في الجدال في معنى الآية أنه المخاصمة والمراء، أي لا تخاصم صاحبك وتماره حتى تغضبه، وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال في الحج، أي لم يبق فيه مراء ولا خصومة؛ لأن الله أوضح أحكامه على لسان رسوله، صلى الله عليه وسلم. (أضواء البيان، 5/13-14)
فهذه بعض المعاني الواردة في كتب التفسير للرفث في الحج والفسق والجدال، الذي يبدو -والله تعالى أعلم- أن إطلاق هذه الألفاظ ينفي عنها حصر المعاني، لافتقار ذلك إلى الدليل الشرعي المقيّد للمطلق، وبناء عليه؛ فإن معاني الرفث والفسق تشمل التصرف بالقول، أو العمل بالإثم فيما يخص الكلام عن المعاشرة الجنسية، والغرام من قبل الحجاج نساء أو رجالاً، أو غير ذلك، فلا يجوز النظر إلى محرّم، لأنه وإن كان هذا الفعل محرّماً في الأوقات جميعها، إلا أنه في الحج آكد، وأعظم، وبخاصة أن الاختلاط في الحج بين الجنسين أمر لا مفر منه، فكلاهما يؤدي المناسك في الأوقات نفسها، والاكتظاظ في الطّوف والمشي في الطرقات خلال الذهاب والإياب إلى الحرم للصلاة والطّواف، أو إلى رمي الجمرات، فحفظ البصر، والحرص على تجنب احتكاك الأبدان ببعض، أو لمس الأجانب من الجنس الآخر، إضافة إلى الابتعاد عن لغو الكلام وفحشه، والصخب في الحافلات والشوارع والأسواق ومراكز السكن ومخاصمة رفاق السفر، ومضايقة الطائفين ومزاحمة الساعين، والتأفف من أعمال الحج والضجر من مشاق المناسك، والتمادي في المزاح والاستخفاف بالشعائر، والانشغال بأمور الدنيا على حساب الصلوات والشعائر، فتصبح الشعائر بالنسبة إليه ثانوية، وهي الأهم وغيرها ثانوي. كل ذلك وغيره مما يشابهه يدخل في معنى الرفث والفسق المنهي عن اقترافهما لمن يقصد نيل الثواب الأجزل للحج.

الحج المبرور
الحج الخالي من الرفث والفسق والجدال هو ما يطلق عليه وصف المبرور، والذي يعد وفق الاعتبارات الشرعية من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه، فقد سُئِلَ النبي، صلى الله عليه وسلم: (أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال: جِهَادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال: حَجٌّ مَبْرُورٌ) (صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور)
فمن أراد أن يكون حجه مبروراً ينبغي له أن يؤديه على الوجه المأثور، استجابة لأمره صلى الله عليه وسلم، حيث روي عن جَابِر قوله: (رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يرمى على رَاحِلَتِهِ يوم النَّحْرِ، وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذه) (صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً وبيان قوله صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا مناسككم)
وإلى جانب هذا الشرط، يجب على الحاج ليكون حجه مبروراً تجنب المحظورات السلوكية المنهي عن اقترافها، كالرفث، والفسق، والجدال، فإذا ما كان منه ذلك، كان حجه مبروراً بعون الله ورحمته.
وفي مرقاة المفاتيح عن الطيبي، رحمه الله، قوله: إن الحج المبرور أي المقبول، وقيل: المقابل بالبر، وهو الثواب، وهو الذي لم يخالطه شيء من المآثم، وقيل: أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وبهذا يظهر وجه الترتيب في الأفضلية، إذ لا نزاع في أن الإيمان أفضل مطلقاً، ثم الجهاد، الذي يكون عادة مع الاجتهاد في العبادة، وزيادة الرغبة في الآخرة، بالسعي إلى وسيلة نيل سعادة الشهادة، ثم الحج الجامع بين العبادة البدنية والمالية، ومفارقة الوطن والمألوف، وترك الأهل والولد، وغير ذلك على الوجه المعروف، أو يقال ذكره على ترتيب فرضيتها، فوجب الجهاد بعد الإيمان، ثم فرض الحج تكملة للأركان، قال تعالى: {...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ...} (المائدة: 3) (مرقاة المفاتيح، 5/422)
سائلين الرحمن الرحيم أن يوفق حجاج بيت الحرام، وضيوفه فيه، إلى أن يؤدوا حجهم على الوجه المبرور، الخالي من الرفث والفسق والجدال والنواقص جميعها، راجين لهم حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وتجارة لن تبور، وصلى اللهم وسلم وبارك على الحبيب محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
26 ذو القعدة 1438هـ

تاريخ النشر  2017-08-18
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس