.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينفر من الحرص على تولي الإمارة - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن أبي ذَرٍّ قال: (قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ألا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قال: فَضَرَبَ بيده على مَنْكِبِي، ثُمَّ قال: يا أَبَا ذَرٍّ؛ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَة، وَإِنَّهَا يوم الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلا من أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الذي عليه فيها)(صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة)
تعرضت الحلقة السابقة إلى التحذير من الحرص على الإمارة وتوليها من قبل غير المؤهلين لها، والمقصود بالإمارة المسؤولية على مختلف مستوياتها، والتي أعلاها المسؤولية العامة عن تصريف شؤون البلاد والعباد، ثم المسؤوليات الأخرى، التي تتعدد وتتنوع وتتوزع، فعواقب الإمارة الوخيمة تنتاب بعض المسؤولين يوم القيامة، من خلال الندامة والخزي اللذين يلحقانهم، بسبب توليها بغير حق، أو الإساءة في تصريفها.
وقد شبه عليه الصلاة والسلام الإمارة حال استفادة الأمير من امتيازاتها ومنافعها بالمرضعة، وفي المقابل بئس حالها حين تكون فاطمة لما تنقطع خيراتها، ويحال بينها وبين متوليها، فالذي يناله الأمير المسيء من النعماء والسراء دون ما يناله من البأساء والضراء، فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذة يعقبها حسرات، ويستثنى من ذلك من تعين عليه تولي الإمارة، وأحسن في أداء واجبه تجاهها، فالمسؤولية أمانة، وعاقبة التقصير في أدائها وخيمة.

أهمية هذا الحديث
الحديث الصحيح أعلاه أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائفها، ولكثرة الخطر فيها، حَذّر صلى الله عليه وسلم منها، وعلماء الأمة، وامتنع منها خلائق من السلف، وصبروا على الأذى حين امتنعوا عن قبول توليها.(بتصرف عن صحيح مسلم بشرح النووي، 12/210-211)
وفي هذا الحديث يتوسع النبي، صلى الله عليه وسلم، في تعليل الإحجام عن الاستجابة لطلب أبي ذر، رضي الله عنه، في أن تسند إليه مسؤولية عامة، فلم يجبه صلى الله عليه وسلم، إلى طلبه، وقرن علة الضعف التي وصف بها صاحبه الجليل أبا ذر، رضي الله عنه، بالتأكيد على أن الإمارة أمانة، وجزاء التقصير في أدائها عاقبته عسيرة يوم القيامة، فللمقصرين بها خزي وندامة، ولا ينجو من هذه العاقبة المخزية سوى من تولاها بحقها، ثم أدى واجبه فيها، فهل من معتبر؟!

الأمير العادل
الخزي والندامة يلحقان من يتولى الإمارة إن لم يكن أهلاً لها، أو كان أهلاً ولم يعدل فيها، فيخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويفضحه، ويندم على ما فرط، وأما من كان أهلاً للولاية، وعدل فيها، فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة.(بتصرف عن صحيح مسلم بشرح النووي، 12/210-211)
فالإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ الله في ظِلِّهِ يوم لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ؛ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمَعَا عليه، وَتَفَرَّقَا عليه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فقال: إني أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حتى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)(صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد)

ضعف أبي ذر
يلاحظ اللطف والإيجاز الحكيم والدال والحازم في رد الرسول، صلى الله عليه وسلم، على طلب أبي ذر الإمارة في الحديث الشريف أعلاه، فيقول أبو ذر، رضي الله عنه: (فَضَرَبَ بيده على مَنْكِبِي، ثُمَّ قال: يا أَبَا ذَرٍّ؛ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ...)
فلم يكن أبو ذر، رضي الله عنه، أهلاً لتولي الإمارة، من حيث القدرة على القيام بأعبائها، فضعفه كان السبب لرفض إسناد مسؤولية الإمارة إليه، ويذكر السيوطي أن وجه ضعفه عن ذلك أن الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا، ومن هذه حاله لا يعتني بمصالح الدنيا وأموالها، اللذين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتم أمره، وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا حتى انتهى به الحال إلى أن يفتي بتحريم الجمع للمال، وإن أُخرجت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توعد الله عليه في القرآن، فلما علم النبي، صلى الله عليه وسلم، منه هذه الحالة نصحه، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكد النصيحة بقوله: (وَإِنّي أُحبُّ لَكَ ما أُحبُّ لِنفْسِي).(شرح السيوطي لسنن النسائي، 6/255- 256)
فالإمارة أمانة، وهي جديرة بالحيطة والحذر، والله تعالى نبه إلى أعبائها ومخاطرها، فقال عز وجل: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}(الأحزاب:72)، والضعيف معرض للتقصير في حمل أمانة الإمارة، وأداء ما عليه من واجب تجاهها، من هنا لم يكن أبو ذر، رضي الله عنه، أهلاً لتولي الإمارة لضعف استعداده الشخصي لها، رغم تقواه، وورعه، ومنزلته في الإسلام.
عسى أن يوفق الله إلى متابعة الحديث عن المسؤولية والتنفير من توليها، لمن لم يكن أهلاً لها، حسب ما وجه إليه نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
24 جمادى الآخرة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-03-01
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس