.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينفر من الحرص على تولي الإمارة - الحلقة الثالثة والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (يا أَبَا ذَرٍّ؛ إني أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثْنَيْنِ، ولا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ) (صحيح مسلم)
وقفت الحلقة السابقة عند تعليل الإحجام عن الاستجابة لطلب أبي ذر، رضي الله عنه، في أن تسند إليه مسؤولية عامة، فلم يجبه صلى الله عليه وسلم إلى طلبه؛ لأنه ضعيف، والإمارة أمانة، والضعيف معرض للتقصير في حمل أمانة الإمارة، وأداء الواجب تجاهها، ووجه ضعف أبي ذر عن تولي الإمارة أن الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا، ومن هذا حاله لا يعتني بمصالح الدنيا وأموالها اللذين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتم أمره، وجزاء التقصير في أداء واجب الإمارة عاقبته وخيمة يوم القيامة، حيث الخزي والندامة، فالإمارة جديرة بالحيطة والحذر، مع التنبيه إلى أن الإمام العادل ينجو من الخزي والندامة، بل وعده الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يكون مع السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

رفض إسناد المسؤولية لسائلها مع حب الخير له
في الرواية الصحيحة أعلاه، علل النبي، صلى الله عليه وسلم، امتناعه عن الاستجابة لطلب صاحبه أبي ذر، رضي الله عنه، في أن يستعمله والياً، بضعفه عن تحصيل مصالح الإمارة، ودرء مفاسدها، وقرن هذا بالتأكيد على أنه يحب له ما يحب لنفسه؛ أي من السلامة عن الوقوع في المحذور. (حاشية السندي على سنن النسائي، 6/255)
قال بعض العلماء: قوله: (أحب لك ما أحب لنفسي) ظاهر في أنه يحب لنفسه عدم الحكم، مع أن الله تعالى أمره بالحكم، وحاشاه أن يكره ما أمره الله به، بل معناه لو كنت ضعيفاً لأحببت عدم الحكم؛ لعجزي عنه حينئذ، فالذي كان لأجل صفة أبي ذر في ضعفه لا الحكم في نفسه، فما زال حاكماً، وأرسل علياً قاضياً ومعاذاً، وغيرهما قضاة إلى الأمصار، وهو منصب الأنبياء أجمعين. (الذخيرة، 10/10- 11)
جاء في مرقاة المفاتيح، أن قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أَبَا ذَرٍّ؛ إني أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لِنَفْسِي...) يعني لو كنت ضعيفاً مثلك لما تحملت هذا الحمل، ولكن الله قوّاني فحملني، ولولا أنه حملني لما حملت، وقوله: (لا تَأمَّرنَّ)، أي لا تقبلن الإمارة، (على اثنين)؛ أي فضلاً عن أكثر منهما، فإن العدل والتسوية أمر صعب بينهما، (ولا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ)؛ أي لا تقبلن ولاية مال يتيم، وفي نسخة لمسلم على مال يتيم؛ أي لا تكن والياً عليه؛ لأن خطره عظيم، ووباله جسيم، وهذا مثال الولاية على الواحد.(مرقاة المفاتيح، 7/240)

النهي عن طلب الإمارة
إلى جانب التنفير من تولي الضعيف الإمارة، فهناك ما ينفر من إسناد المسؤولية لطالبيها، فعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ، قال: قال لي رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (يا عَبْدَ الرحمن؛ لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إن أُعْطِيتَهَا عن مَسْأَلَةٍ، وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، أُعِنْتَ عليها)(صحيح مسلم)
يقول النووي بأن في هذا الحديث فوائد، منها كراهة سؤال الولاية، سواء ولاية الإمارة، والقضاء والحسبة وغيرها، ومنها بيان أن من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى، ولا تكون فيه كفاية لذلك العمل، فينبغي أن لا يولى. (شرح النووي على صحيح مسلم، 11/116)
وجاء في عمدة القاري، أن قوله (وُكلّت) على صيغة المجهول بالتخفيف، ومعناه صرف إليها، ومن وكل إلى نفسه هلك، ومنه الدعاء: (وَلا تَكلني إلى نفسي)، ويستفاد منه أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، وإن من حرص على ذلك لا يعان. (عمدة القاري، 24/226)
فهذا الحديث النبوي الشريف يؤكد على أهمية الاستعانة بالله في تسيير الأعمال جميعها، ومن ذلك المسؤوليات وأداء الالتزامات تجاهها، وإلا فالخطب صعب، من هنا كان كبار السلف الصالح يتخوفون من عواقبها، فمما يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لما رفض أن يكون ابنه من الستة المرشحين لخلافته، معللاً ذلك بقوله: (حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة)(تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك: 1/5)، على الرغم أنه عمر وما أدراكم من عمر؟! إنه الفاروق، الذي يعتز بعدله المسلمون ويفخرون، وكثير من غيرهم.
فالإمارة التي يراد بها هنا المسؤولية بأنواعها، أمانة سيسأل أصحابها عنها يوم القيامة، ضيعوا أم أدوا حقها، فمن ضَيّع خسر، ومن أدى ما عليه فيها، فاز بثواب جزيل، ومنه الذكر الطيب عند الخلق، مع ضرورة الاستفادة من التحذير الوارد بشأن توليها؛ لأن من لم يكن أهلاً لها، يحرم عليه تبوأها، ومن كان أهلاً لها، يحرم عليه التقصير في واجبه نحوها، وينبغي التذكير دائماً أنها نعم المرضعة، وبئست الفاطمة، حسب ما جاء عن نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
1 رجب 1440هـ

تاريخ النشر  2019-03-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس