.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينفر من الحرص على تولي الإمارة - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ على الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يوم القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتْ الفَاطِمَةُ)(صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة)
يشكل هذا الحديث النبوي الشريف نبراساً للموقف الشرعي من الحرص على حمل المسؤولية وتوليها، حيث يلهث كثير من الناس إلى المناصب، ويصل التنافس الشديد عليها بينهم حد التكالب والاقتتال، والمقصود بالإمارة المسؤولية على مختلف مستوياتها، والتي أعلاها المسؤولية العامة عن تصريف شؤون البلاد والعباد، ثم المسؤوليات الأخرى، التي تتعدد وتتنوع وتتوزع، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ في أَهْلِهِ رَاعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مسؤولة عن رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، قال ابن عمر: فَسَمِعْتُ هَؤُلاءِ من رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَحْسِبُ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: وَالرَّجُلُ في مَالِ أبيه رَاعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ)(صحيح البخاري، كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب العبد راع في مال سيده، ولا يعمل إلا بإذنه)

نَدَامَةً يوم الْقِيَامَةِ
الرسول، صلى الله عليه وسلم، يشير في الحديث أعلاه، إلى ظاهرة الحرص على الإمارة، متبعاً ذلك بالتحذير الشديد من عواقبها، فتنتاب بعض المسؤولين يوم القيامة الندامة، وما أدراكم ما الندامة؟! إنها حالة التحسر التي تنتاب المرء بسبب ما فاته، أو بسبب ما لحقه من خسارة وعذاب، نتيجة الإخفاق في الامتحانات والمواقف والعواقب، جاء في فيض القدير، أن الإمارة ستكون ندامة وحسرة يوم القيامة، لمن لم يعمل فيها بما أمر به الله، ويسلك سبيل المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، رضي الله عنهم، وهذا أصل في تجنب الولايات، لا سيما لضعيف، أو غير أهل؛ فإنه يندم إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، أما من كان أهلاً للإمارة، وعدل فيها، فأجره عظيم، لكنه على خطر عظيم.(فيض القدير، 2/554)

نِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ
يُشبّه عليه الصلاة والسلام الإمارة حال استفادة الأمير من امتيازاتها ومنافعها بالمرضعة، التي تدر اللبن، فهي على هذه الحال مرغوبة ومحمودة ومتشغف بها، وفي المقابل؛ بئس حالها لما تنقطع خيراتها، ويحال بينها وبين متوليها، وحال صاحبها وقتئذ لا يقل بؤساً وضيقاً عن الرضيع لما يحين فطامه عن مص اللبن من ضرع مرضعته، جاء في فتح الباري، عن الداودي: أن نعم المرضعة في الدنيا، وبئست الفاطمة، أي بعد الموت؛ لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني، فيكون في ذلك هلاكه، وقال غيره: نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال، ونفاذ الكلمة، وتحصيل اللذات الحسية، والوهمية، حال حصولها، وبئست الفاطمة، عند الانفصال عنها بموت أو غيره، وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة.
فالذي يناله المتولي من النعماء والسراء، دون ما يناله من البأساء والضراء، إما بالعزل في الدنيا فيصير خاملاً، وإما بالمؤاخذة في الآخرة، وذلك أشد، نسأل الله العفو، قال القاضي البيضاوي: فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذة يعقبها حسرات، وقال المهلب: الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها، حتى سفكت الدماء، واستبيحت الأموال والفروج، وعظم الفساد في الأرض بذلك، ووجه الندم أنه قد يُقْتل أو يُعْزل أو يَموت، فيندم على الدخول فيها؛ لأنه يُطالب بالتبعات التي ارتكبها، وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته، قال: ويستثنى من ذلك من تعين عليه، كأن يموت الوالي، ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال، والتعبير بالحرص إشارة إلى أن من قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أُعطي بغير سؤال، لفقد الحرص غالباً عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه؛ لكونه يصير واجباً عليه، وتولية القضاء على الإمام فرض عين، وعلى القاضي فرض كفاية، إذا كان هناك غيره.(فتح الباري، 13/126)

نعم وبئس
جاء في عمدة القاري، أن نعم وبئس فعلان لا يتصرفان؛ لأنهما أزيلا عن موضوعهما، فنعم منقول من قول: (نعم فلان) إذا أصاب نعمة، وبئس منقول من (بئس) إذا أصاب بؤساً، فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف، وقيل: إنهما استعملا للحال، بمعنى الماضي، وفي نعم أربع لغات، بفتح أوله، وكسر ثانيه، وكسرهما، وسكون العين وكسر النون، وفتحها وسكون العين، وقال الطيبي: إنما أتى بالتاء في الفاطمة، والمرضعة، إشارة إلى تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والفطام.(عمدة القاري، 24/227)
فهذه بعض متعلقات التحذير من تولي المسؤوليات لمن لم يكن أهلاً لها، أو لمن يرى فيها سبيلاً لاستجلاب المنافع واستثمار المناصب، فالمسؤولية أمانة، وعاقبة التقصير في أدائها وخيمة، عسى أن يوفق الله تعالى إلى متابعة الحديث عن المسؤولية والتنفير من توليها لمن لم يكن أهلاً لها، حسب ما وجه إليه نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
17 جمادى الآخرة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-02-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس