.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينبه الصائمين والقائمين إلى أهمية العناية بالمقاصد والنوايا  

==========================================================

 عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليهوسلم ، قال: (من قام لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ). (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونية)
يحتاج المسلم مع شروعه بالصيام إلى معالجة نفسه وقلبه، حتى يتأكد بأنه لا يصوم إلا لله، التزاماً بأمره، وابتغاء مرضاته سبحانه، وأملاً في نيل ثوابه، وهذه المعالجة تقتضي من صاحبها بذل جهود ذاتية، لا يقل ثقلها عما يعانيه خلال صيامه عن الطعام والشراب، والحديث الشريف أعلاه يشد الانتباه إلى أهمية الإخلاص في الصيام، لنيل جائزة مغفرة الذنوب والخطايا.
ذكر النووي، أن قوله صلى الله عليه وسلم: (من قام لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) معناه إيماناً وتصديقاً بأنه حق، ومعنى احتساباً، أن يريد الله تعالى وحده، لا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص، والمراد بقيام رمضان صلاة التراويح. (بتصرف عن صحيح مسلم بشرح النووي، 6/39- 41)
وجاء في فتح الباري، أن قوله: (احْتِسَابًا) لأن الصوم إنما يكون لأجل التقرب إلى الله، والنية شرط في وقوعه قربة، والمراد بالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي احتساباً؛ أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك، غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه. (فتح الباري، 4/115)
فالصائم القائم موعود بمغفرة الذنوب، شريطة أن يخلص لله جل في علاه، ويقال عن القيام بالنسبة إلى النية ما قيل عن الصيام، وابن حجر لا ينكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها، ولو لم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين، الموعود به. (فتح الباري، 4/267)

الأعمال بالنيات
ربط الجزاء على الصيام والقيام بالنية والمقصد ليس محصوراً بهما، بل إن الأعمال كلها يرهن الجزاء عليها بالنيات الباعثة إليها، فعن عُمَرَ بن الخَطَّابِ، رضي الله عنه، على المِنْبَرِ، قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلىالله عليه وسلم ، يقول: (إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أو إلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه) (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم)
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، التي تربط جزاء الأعمال ببواعثها ومقاصدها كثيرة، ففي هذا الحديث ضرب الرسول، صلى الله عليه وسلم، مثلاً لذلك بالهجرة، فالبون شاسع بين الذي يهاجر قاصداً وجه الله، وابتغاء مرضاته، وبين الذي يهاجر لغايات أخرى مختلفة، كأن يهاجر لزواج أو تجارة أو سياحة أو غير ذلك، فالمهاجرون أصحاب المزايا والدرجات الرفيعة عند الله، ليس منهم سوى من هاجر انصياعاً لأمره سبحانه فحسب، وبهدف نصرة دينه، ومؤازرة أتباعه، وكذلك الجهاد في سبيل الله، فما يعتبر منه في سبيل الله، هو الذي يكون الهدف منه إعلاء كلمة الله، دون سواه من الأنواع، التي تختلف فيها النوايا والمقاصد، فعن أبي مُوسَى: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَيُقَاتِلُ لِيُحْمَدَ، وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرِيَ مَكَانَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَاتَلَ حَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ أَعْلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) (سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وصححه الألباني)
ومن الأمور التي ورد التركيز فيها على الإخلاص في النوايا والاحتساب، النفقة؛ يسيرها وعظيمها، فعن سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ اللَّهِ، إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تَجْعَلُ في فم امْرَأَتِكَ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى)، وعنه، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا أَنْفَقَ الرَّجُلُ على أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا، فَهُوَ له صَدَقَةٌ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى)، والذي يصاب بمرض فيصبر ويحتسب، يناله ثواب الله، فعن المبتلى بالتواجد في بلد اجتاحه الطاعون، يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ، لاَ يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ)(صحيح البخاري، كتاب القدر، باب: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا (التوبة: 51))

تبييت نية الصيام والنسيان فيه
النية المطلوبة للصيام تتم بمجرد القصد الذهني والقلبي، ولا يشترط التلفظ بها باللسان، ومن المسائل التي تتفرع عن موضوع النية في الصيام والقيام، تبييت النية، وما يحصل للصائم من عوارض من الأكل أو الشرب خلاله، دون قصد، وإنما بسبب الخطأ أو النسيان، ويمكن إجمال هاتين المسألتين، على النحو الآتي:

حكم تبييت النية:
تشترط النية في صيام الفرض كغيره من العبادات، لكن تفاصيل هذه المسألة اختلفت حولها آراء العلماء، فاشترط الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة تبييت النية لكل يوم في ليلته، أما المالكية فقالوا بأن نية واحدة للشهر كله تكفي، وبالنسبة إلى صيام النافلة فيجوز عند الجمهور أن تنشأ له نية خلال النهار، لمن لم يتناول مفطراً بعد الفجر، فعن
عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رضي الله عنها، قالت: (قال لي رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ يا عَائِشَةُ، هل عِنْدَكُمْ
شَيْءٌ؟ قالت: فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما عِنْدَنَا شَيْءٌ، قال: فَإِنِّي صَائِمٌ، قالت: فَخَرَجَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأُهْدِيَتْ لنا هَدِيَّةٌ، أو جَاءَنَا زَوْرٌ، قالت: فلما رَجَعَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أُهْدِيَتْ لنا هَدِيَّةٌ، أو جَاءَنَا زَوْرٌ، وقد خَبَأْتُ لك شيئاً، قال: ما هو؟ قلت: حَيْسٌ، قال: هَاتِيهِ، فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قال: قد كنت أَصْبَحْتُ صَائِمًا، قال طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بهذا الحديث، فقال: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ من مَالِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلاً من غير عذر)

حكم من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم:
بما أن الأمور بمقاصدها، فالصائم الذي يأكل أو يشرب ناسياً وهو صائم، يبقى صومه صحيحاً، ويستدل بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (من أَكَلَ نَاسِيًا وهو صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ) (صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان)، ويستوي في العفو عن النسيان في الصيام، إذا ما كان صوم فريضة أو نافلة، فالذي يأكل أو يشرب وهو صائم في أي منهما، يتم صومه، ولا شيء عليه.

رفض العبادة التي تختلط فيها النوايا
إخلاص النية لله وحده شرط لقبول العبادة والإثابة عليها، فإذا امتزجت البواعث بمقاصد مختلفة، كالتظاهر أمام الناس أو بعضهم بالعبادة، للحصول على ثناء منهم أو إعجاب، أو التستر وراءها للخديعة والوقيعة، فهذه ليست من أخلاق العابدين المتقين، وإنما هي من ديدن المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، أما الله جل في علاه، فيأبى قبول قربة من عبد لم يقصد بها وجهه الكريم، أو خلط فيها النوايا، بأن يقصد الله بها وغيره من خلقه، وقد جاء في الحديث القدسي عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشِّرْكِ، من عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فيه مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ). (صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله)
فإشراك غير الله معه في مقاصد القربات مذموم ممقوت من رب العالمين، والإخلاص في النية من لوازم الصيام الرئيسة، فبالنية يبدأ الصائم عبادته، فتتميز بذلك عن الحمية والعادات الصحية، وغير ذلك من أسباب الإمساك عن الطعام والشراب، والإخلاص في النية من أبرز متطلبات قبول العبادة والثواب عليها، حسب فحوى الهدي القرآني، والنبوي الوارد عن خاتم النبيين محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 رمضان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-05-18
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس