.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينبذ التطرف والمغالاة  

==========================================================

 عن المقداد بن عمر الكندي، أَنَّهُ قال لِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أَرَأَيْتَ إن لَقِيتُ رَجُلًا من الْكُفَّارِ، فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فقال: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أقتله يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لا تَقْتُلْهُ، فقال يا رَسُولَ اللَّهِ: إنه قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قال ذلك بَعْدَ ما قَطَعَهَا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فإنه بِمَنْزِلَتِكَ قبل أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ، قبل أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التي قال) (صحيح البخاري)
يحدد الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الشريف معياراً أخلاقياً، ينبع من مبادئ عقيدة الإسلام في التعامل مع المسالمين من الناس، فرفض عليه الصلاة والسلام، قتل المحارب الذي اختار في لحظة ما الاستجارة بالإسلام، بل توعد المسلم الذي لا يحترم هذا المعيار بأشد عقوبة، مستخدماً صورة تشويقية مؤثرة للالتزام بذلك، والتنفير من تنكبه، حيث وضع المخالف القاتل في مقام المحارب الكافر، ووضع المقتول في مقام قاتله المسلم، بمعنى أن النجاة تكون للمستجير المقتول، والهلاك للقاتل الذي خالف معايير الإسلام في هذا الجانب، مما يوحي بضرورة تحلي المسلم بالاعتدال والحكمة، حتى وهو يقاتل أعداء الإسلام ومحاربيه، وذلك انطلاقاً من مبادئ الإسلام وقيمه وأحكام شريعته.
وجاء في شرح هذا الحديث، أن قوله: (أرأيت) أي أخبرني. وقوله: (ثم لاذ مني بشجرة) أي تحيل في الفرار مني بها، ومنه قوله تعالى: {يتسللون منكم لواذاً} (النور: 63) وقوله: (قال أسلمت لله) يثبت به الإسلام، فلا يحتاج إلى كلمة الشهادة. وقوله: (أقتله) بهمزة الاستفهام، على سبيل الاستعلام، وقوله: (فإنه بمنزلتك) معناه أنه مثلك في كونه مباح الدم فقط، وإن قتله المسلم بعد ذلك، صار دمه مباحاً بحق القصاص، كالكافر بحق الدين، فالكافر المحارب إذا نطق بكلمة التوحيد، حرم قتله. (عمدة القاري، 17/117)

جريمة قتل المستجير بالإسلام
لم ينحصر تنفير الرسول، صلى الله عليه وسلم، من قتل المستجير بالإسلام في الصورة النظرية التي رسمها خلال مناقشة سائله، كما جاء في الحديث أعلاه، بل وقع التطبيق العملي لذلك، حين صدرت عن أحد الصحابة مخالفة للمبدأ المرسى بالخصوص، فعن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ، قال: (بَعَثَنَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ(*) من جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً، فقال: لَا إِلَهَ إلا الله، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ في نَفْسِي من ذلك، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أَقَالَ: لَا إِلَهَ إلا الله وَقَتَلْتَهُ؟ قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنما قَالَهَا خَوْفًا من السِّلَاحِ، قال: أَفَلَا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ حتى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا، فما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قال: فقال سَعْدٌ: وأنا والله لا أَقْتُلُ مُسْلِمًا، حتى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ، يَعْنِي أُسَامَةَ، قال: قال رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلْ الله وَقَاتِلُوهُمْ حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فقال سَعْدٌ: قد قَاتَلْنَا حتى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حتى تَكُون فِتْنَةٌ) (صحيح مسلم)
فعلى الرغم من منزلة الصحابي أسامة بن زيد عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث كان يحبه وأباه، وكان لذلك يلقب بالحب ابن الحب، إلا أن هذه المنزلة القلبية الرفيعة لم تشفع له ليقتل مستجيراً من الأعداء في ساحة المعركة، فلما تجرأ عليه وقتله، ووصل الخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنكر عليه صنيعه، بصورة جعلت أسامة يتمنى أنه لم يسلم قبل وقوع هذا التجاوز منه، وذلك على إثر غضب الرسول، صلى الله عليه وسلم، منه، حيث قال له: (أَفَلَا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ، حتى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟ فقال أسامة على إثر ذلك: (فما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ)
جاء في عمدة القاري، أن الكرماني تساءل كيف جاز تمني عدم سبق الإسلام؟ ثم أجاب بقوله: تمنى إسلاماً لا ذنب فيه، أو ابتداء الإسلام ليجب ما قبله. وقال الخطابي: ويشبه أن أسامة قد أول قوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} (غافر: 85)، وهو معنى مقالته كان متعوذاً، وقال ابن بطال: كانت هذه القصة سبب تخلف أسامة أن لا يقاتل مسلماً بعد ذلك، ومن ثمة تخلف عن علي، رضي الله تعالى عنه، في الجمل وصفين، وقوله: (فما زال يكررها) أي يكرر مقالته: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله، وفيه تعظيم أمر القتل بعدما يقول الشخص لا إله إلا الله، وقوله:(حتى تمنيت...الخ) حاصل المعنى أني تمنيت أن يكون إسلامي الذي كان قبل ذلك اليوم بلا ذنب؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، فتمنيت أن يكون ذلك الوقت أول دخولي في الإسلام؛ لآمن من جريرة تلك الفعلة، ولم يرد أنه تمنى أن لا يكون مسلماً قبل ذلك. (عمدة القاري، 24/36)
ويستدل النووي بهذا الحديث على قاعدة معروفة في الفقه والأصول، تنص على أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر، والله يتولى السرائر. (شرح النووي على صحيح مسلم، 2/107)

استقباح قتل المعاهد
يرجو المسلم أن يكون الناس على أحسن حال مع الله تعالى، لكن هذا الرجاء من المحال تحققه، فالله تعالى يخاطب النبي، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (يوسف: 103)، ويقول جلَّ شأنه: {...فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (فاطر: 8)، من هنا لا يستغرب اختلاف الناس حيال المبادئ والعقائد السماوية، فيتصور واقعياً وجود الاختلاف العقائدي بين الناس، بل العداء بينهم، والمسلم يلتزم بمحددات الشرع وأحكامه حيال نفسه والمسلمين وغيرهم، فإذا وجد في مجتمعه غير مسلمين، فإن علاقته معهم تنظم وفق معايير الشرع، التي منها احترام دم المعاهد وماله، وقد جاء في السنة النبوية التنفير الشديد من سفك دم المعاهد، فعن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو، رضي الله عنهما عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (من قَتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ من مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) (صحيح البخاري)
ويتماشى التغليظ في عقاب المعتدي على المعاهدين، مع المبادئ القرآنية التي فرضت على المسلمين التمييز بين من يناصبهم العداء وينتهك حرماتهم، وبين المعاهدين والمسالمين لهم من غير المسلمين، فقال جل شأنه: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} (آل عمران:113) ويقول عز وجل: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8-9)
والله لما أمر بقتال أعداء الإسلام، خص المعتدين منهم، وحرم ممارسة الاعتداء، فقال جل شأنه: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}(البقرة: 190)
فهذه عينة من النفحات الإيمانية الملزمة للمسلمين في علاقاتهم مع الآخرين، مما يعني أن الذين يخرجون عن إطارها فيقتلون الآمنين في كنائسهم وصوامعهم ومساكنهم، إنما يتنكبون درب الإسلام الصحيح، الذي يمنع المسلم أن يشطط، أو يتطرف في فهم تعاليم الدين وتطبيق أحكامه، الذي أرسى مبادئ عظيمة في التعامل مع الآخرين، ونفّر من الغلو والتطرف، وسار على هذا النهج القويم المسلمون من لدن الرسول الهادي، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


(*) الحرقة: اسم قبيلة من جهينة، وقوله: (فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ) إشارة إلى بطون تلك القبيلة. (كشف المشكل، 4/20)
1 ربيع الآخر 1438هـ

تاريخ النشر  2016-12-30
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس