.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يلفت الانتباه إلى أهمية الاستقامة على عبادة الله وديمومتها - الحلقة الثانية والأخيرة  

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم: (كان يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ، فَيُصَلِّي، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَيَجْلِسُ عليه، فَجَعَلَ الناس يَثُوبُونَ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فَيُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، حتى كَثُرُوا، فَأَقْبَلَ، فقال: يا أَيُّهَا الناس؛ خُذُوا من الْأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ، فإن اللَّهَ لا يَمَلُّ، حتى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إلى اللَّهِ ما دَامَ وَإِنْ قَلَّ) (صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير ونحوه)
تواصلاً مع ما تم عرضه في الحلقة السابقة من بياّن لفضل إتباع صيام فرض رمضان بصيام ستة أيام من شوال الذي يليه، فمن يوفق لذلك يحوز ثواب صيام الدهر، ومن الاستنتاجات المستنبطة من هذا الوعد النبوي، أن يبقى العباد على تواصل مع العبادات بمحض إرادتهم واختيارهم، فلا يكتفون بأداء الفرائض، ليقينهم بفضل أداء النوافل، وليعلم القائمون بالفرائض أن واجبهم نحوها لا يقتصر على مواسم معينة، فالله جل في علاه، نعبده بصيام رمضان، ونعبده في أيام العام كلها بأداء الصلاة اليومية وغيرها من العبادات، فليس أمام المسلم فسحة لأخذ إجازة مزاجية عن أداء العبادة، وفي الحديث أعلاه توجيه للمسلمين إلى المحافظة على أداء العبادة لله بالقدر الذي يستطيعون ويطيقون، فالاندفاع المتحمس للإكثار من التعبد في فترات الحماسة، ثم الانقطاع عنها بعد فتور الهمة، ليس محبذاً، إذ إن أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلى اللَّهِ ما دَامَ وَإِنْ قَلَّ.

التواصل المعتدل مع العبادة
المسلم يحافظ على تواصل معتدل مع العبادة، ومتابعة لما تم التذكير به في الحلقة السابقة من العبادات التي ينبغي للمسلم العابد المحافظة على التواصل معها بعد رمضان، حيث تم لفت الأنظار إلى قضيتي المحافظة على الصلة بالقرآن، والمحافظة على شد الرحال إلى المسجد الأقصى والمرابطة فيه، فالذي كان في رمضان من إقبال المسلمين تجاه هاتين القضيتين يبشر بخير، وحتى يدوم التواصل معهما على الوجه الذي يرضي الله تعالى أولاً، ويحقق الانجازات المطلوبة لهما، يجدر الإبقاء على جذوة التواصل معهما دون انقطاع، وبخاصة أنهما من قضايا العقيدة الدينية والعبادات الشرعية، والمطلوب نحوهما واجب دائم،
وحرارة متقدة تأبى الفتور والانطفاء، ومن القضايا الجديرة بالاهتمام في رمضان وغيره، الصلاة التي هي عمود الدين.

المحافظة على الصلاة
من أبرز الأمور التي ينبغي للمسلم الحرص على المحافظة عليها في المواسم والأوقات جميعها الصلاة، التي هي عمود الدين، وقد أثنى الله على المحافظين على صلاتهم، فقال جل شأنه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (المؤمنون: 9)، وجاء ذكر الصلاة هنا مجموعة، وفي سورة المعارج ذكرت الصلاة مفردة في سياق الثناء على المحافظين عليها، فقال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (المعارج: 34)، وكذلك في سورة الأنعام، حيث قال جل شأنه: {...وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (الأنعام: 92)، وأثنى الله كذلك على الذين هم على صلاتهم دائمون، فقال عز وجل: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} (المعارج: 23)، وتنوع صيغة ذكر الصلاة بين المفرد والجمع، يشير والله أعلم إلى تميز المؤمنين الصالحين بالمحافظة على جنس الصلاة، إلى جانب حرصهم على المحافظة على أداء الصلوات جميعها، دون تفريط.
فالمسلم يحرص على أن يكون من المحافظين على أداء الصلاة في وقتها الموقوت، ويدوم على ذلك، أما التهاون في أداء الصلاة، والتكاسل تجاه هذا الواجب، فهو من المذمومات، التي قبحها الله، فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (الماعون: 4-5)، ونسب الله الكسل في أداء الصلاة إلى أفعال المنافقين، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} (النساء: 142)
فعلى الذي حافظ على أداء الصلاة في رمضان أن يواصل أداءها بعده، حتى يربأ بنفسه أن يكون من المنافقين، أو الذين توعدهم الله بالويل لسهوهم عن صلاتهم، وتهاونهم في أدائها على وقتها.

عبادة الله غاية الخالق من الخلق
من فضل العبادة بالعموم، أنها الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وبمقتضى ذلك صدر الأمر الإلهي للناس أجمعين بعبادة الله، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 21)، وتكرر ورود الأمر بعبادة الله في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، فقال تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} (النجم: 62)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. (الحج: 77)
والأنبياء عموماً خاطبوا أقوامهم بعبادة الله، فقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (النحل: 36)
وعن إبراهيم، عليه السلام، أمر قومه بعبادة الله، يقول جل ذكره: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 16)
وتكرر في سورتي الأعراف وهود ذكر خطاب بعض الأنبياء إلى أقوامهم المتضمن الأمر بعبادة الله، كما في خطاب نوح، وهود، وصالح، وشعيب، عليهم السلام، فعن نوح وقومه يقول سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (الأعراف: 59)
وفي سورة المؤمنون، يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (المؤمنون: 23)
وعن هود وقومه عاد، يقول تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} (الأعراف: 65)، وفي سورة هود، يقول تعالى:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} (هود: 50)
وعن صالح وقومه ثمود، يقول سبحانه: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الأعراف: 73)، وفي سورة هود يقول تعالى:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} (هود: 61)
وعنه وقومه جاء في سورة النمل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} (النمل: 45)
وعن شعيب وأهل مدين يقول سبحانه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(الأعراف: 85)، وفي سورة هود يقول تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} (هود: 84)، وفي سورة العنكبوت يقول تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (العنكبوت: 36)
يلاحظ المتدبر في الآيات القرآنية سالفة الذكر، تكرر مطالبة الرسل، عليهم السلام، لأقوامهم بأن يعبدوا الله، فهي قضية مشتركة بينهم، وهدف عام اجتمعت عليه دعوة الأنبياء والرسل عبر الزمان والمكان، انسجاماً مع الغاية التي خلق الله عز وجل الخلق لأجلها.
سائلين الله العلي القدير أن يثبت قلوبنا على الإيمان، وأن لا يزيغها عنه، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، الذين عرفوا طريقهم إليه والتزموه، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى الدين.
13 شوال 1438هـ

تاريخ النشر  2017-07-07
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس