.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يقيم في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم - الحلقة الثانية والأخيرة

==========================================================

 عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، قال: (مَرَّ بِي عبد الرحمن بن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قلت له: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ في المَسْجِدِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى، قال: قال أبي: (دَخَلْتُ على رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ المَسْجِدَيْنِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى، قال: فَأَخَذَ كَفًّا من حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ، ثُمَّ قال: هو مَسْجِدُكُمْ هذا لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ، قال: فقلت: أَشْهَدُ أَنِّي سمعت أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ)(صحيح مسلم، كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة)
ورد في الحلقة السابقة ذكر الأمر الرباني للرسول، صلى الله عليه وسلم، بأن يقوم في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، والتي جاءت في سياق آيات كريمة، نهى فيها عليه الصلاة والسلام عن الإقامة في مسجد الضرار، والفرق شاسع بين الثرى والثريا، فمسجد الضرار أقيم لتحقيق أهداف شريرة، بخلاف الذي أسس على التقوى، والذي اختلف في تحديده بناء على الروايات الواردة بالخصوص.

فضل المسجد النبوي ومسجد قباء
وفي فضل المسجدين وردت الأدلة والآثار الصحيحة، فالأدلة على فضل المسجد النبوي كثيرة، فمن ذلك أنه من المساجد التي تشد إليها الرحال، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ، المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
والصلاة فيه يتضاعف ثوابها عن الصلاة فيما سواه غير المسجد الحرام، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (صَلاةٌ في مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ من أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا المَسْجِدَ الحَرَامَ)(صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
ومما ورد بشأن مسجد قباء، عن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا، وكان عبد اللَّهِ، بن عمر، رضي الله عنهما، يَفْعَلُهُ)(صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتى مسجد قباء كل سبت)
فهذه من أبرز فضائل هذين المسجدين حسب الوارد في السنة النبوية المطهرة، مما يستحث المسلمين للاهتمام بهما، واستذكار تاريخهما ومنزلتهما في الإسلام، ودورهما في الدعوة إليه، وبخاصة في بدايتها.

أهمية المساجد ودروها
صحيح أن لبعض المساجد مزايا عن غيرها، وعلى رأس المساجد المميزة بالفضل المسجد الحرام في مكة المكرمة، ويليه في الفضل المسجد النبوي في المدينة المنورة، ثم المسجد الأقصى في بيت المقدس، والمساجد الأخرى لها تاريخ وعراقة وفضل عام تشترك فيه جميعاً، والمساجد المقامة لله وذكره وتسبيحه سبحانه، ينبغي أن تجنب كل ألوان الشرك وأشكاله، بحيث لا يُدعى فيها إلا لله عز وجل دون سواه، حسب أمره سبحانه، إذ يقول جل من قال: {وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً}(الجن: 18)

رجال المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم
المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم بشهادة رب العالمين، أُشيد بطهارة رجاله، فقال تعالى: {...فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}(التوبة:108)، والمقصود بالطهارة هنا حسب ما جاء في معظم التفاسير هي الطهارة الحسية من النجاسة بالماء، فقد كانوا يستنجون بالماء، ونزلت في الأنصار على قول من قال إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد المدينة، ونزلت في بني عمرو بن عوف خاصة على قول من قال إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/85)، ولا يمنع هذا أن يراد بالطهارة هنا أيضاً إضافة لما ذكر الخلو من الشرك والنفاق والذنوب، لتجتمع بذلك الطهارة البدنية والقلبية والسلوكية في رجال المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم.(ولمزيد من التفصيل يمكن مراجعة التفسير الكبير، 16/155-156)
ووردت الإشادة برجال المساجد في مواضع قرآنية أخرى، فيقول عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(النور: 36-38)
والمساجد بيوت الله التي أمر الله ببنائها وإعمارها، وأن يذكر فيها اسمه، وحصر الله إعمارها بالمؤمنين، فقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المُهْتَدِينَ}(التوبة:18)
مما يشير إلى أهمية مواصفات رجال المساجد، وأنه ينبغي العمل دائماً على تحليهم بالإيمان والقيم والأخلاق، ليكونوا كما يحب لهم ربهم، متطهرين، حتى يشملهم بحبه ورضاه سبحانه، ويكونوا من أصحاب القلوب المعلقة في المساجد الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، راجين أن نكون منهم، وأن ينفع الله بما تمت الإشارة إليه من عبق نفحات الأمر بالإقامة في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، حسب الأمر الرباني الموجه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 صفر 1441هـ

تاريخ النشر  2019-10-11
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس