.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يقيم في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم - الحلقة الأولى

==========================================================

 أمر الله نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، بأن يقوم في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال تعالى: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}(التوبة: 108)
الآية الكريمة تتضمن نهياً عن الإقامة في مسجد، والأمر بالإقامة في مسجد آخر، فقد نهى الله نبيه الكريم، صلى الله عليه وسلم، عن الإقامة في مسجد الضرار، الذي تم ذكره في الآية الكريمة السابقة لهذه، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}(التوبة: 107)

النهي عن الإقامة في مسجد الضرار
جاء في أضواء البيان، أن مسجد الضرار كان بمنطقة قباء، وطلبوا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يصلي لهم فيه تبركاً في ظاهر الأمر، وتقريراً لوجوده، يتذرعون بذلك، ولكن الله كشف عن حقيقتهم.
وجاءت الآية بمقارنة بين المسجدين، فقال تعالى له: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}
وجاء بعد ذلك مباشرة للمقارنة مرة أخرى أعم من الأولى، في قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(التوبة: 109-110)
وبهذا يكون السبب في نزول الآية، هو المقارنة بين مبدأين متغايرين، وأن الأولية في الآية في قوله: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} أولية نسبية؛ أي بالنسبة إلى كل مسجد في أول.(أضواء البيان، 8/323)

أول مسجد في تاريخ الإسلام
لأهمية المسجد في الإسلام، تصدرت إقامته أوائل أعمال النبي، عليه الصلاة والسلام، بعد هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، حيث أسس مسجد قباء، وأقام فيه ما يقارب عشرة أيام، قبل أن تحط رحاله في موضع إقامته الدائمة في المدينة المنورة، وحين حصلت شرع في إقامة المسجد النبوي، فعن عُرْوَة بن الزُّبَيْرِ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في طريق هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، لَبِثَ في بَنِي عَمْرِو بن عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ المَسْجِدُ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى، وَصَلَّى فيه رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي معه الناس، حتى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْمَدِينَةِ، وهو يُصَلِّي فيه يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ من المُسْلِمِينَ، وكان مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ، في حَجْرِ أَسْعَدَ بن زُرَارَةَ، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حين بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، هذا إن شَاءَ الله الْمَنْزِلُ، ثُمَّ دَعَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الغُلامَيْنِ، فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ، لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالا لا بَلْ نَهَبُهُ لك يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً، حتى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ في بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وهو يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
هذا الحِمَالُ لا حِمَالَ خَيْبَرْ هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
وَيَقُولُ: اللهم إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخرة فَارْحَمْ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَة
فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ من الْمُسْلِمِينَ لم يُسَمَّ لي، قال ابن شِهَابٍ: ولم يَبْلُغْنَا في الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غير هذا البَيْتِ.(صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه إلى المدينة )

المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم
ورد الاختلاف بين الروايات في تحديد المقصود بالمسجد الذي أسس على التقوى هل هو المسجد النبوي؟ أم مسجد قباء؟ فبخلاف حديث عُرْوَة بن الزُّبَيْرِ الوارد ذكره أعلاه، أورد مسلم في صحيحه الحديث المثبت نصه أعلاه تحت بَاب: بَيَانِ أَنَّ المَسْجِدَ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى هو مَسْجِدُ النبي، صلى الله عليه وسلم، بِالْمَدِينَةِ، ومن تعقيبات ابن حجر لهذا الخلاف وأبعاده، إشارته بأن الجمهور على أن المراد به مسجد قباء، وقوله بعد ذلك: والحق أن كلاً منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعلى هذا، فالسر في جوابه صلى الله عليه وسلم بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده، رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء، والله أعلم، قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافاً؛ لأن كلاً منهما أسس على التقوى.(عن فتح الباري 7/245 بتصرف)
راجين أن ييسر الله متابعة الوقوف عند بعض مغازي ونفحات الإقامة في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، حسب الأمر الرباني الموجه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
5 صفر 1441هـ

تاريخ النشر  2019-10-04
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس