.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يعنى بسلامة الصدور - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إنما الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: إنما الكرم قلب المؤمن )
تعرضت الحلقة السابقة إلى بيان مكانة القلب تجاه ما يصدر عن صاحبه من سلوك، وأنه وعاء التقوى، وهذا يعني شيئاً كثيراً، من ذلك أن العبرة بالتقوى أولاً لا بغيرها، وبما يكون في القلب، بغض النظر عن المظاهر التي يمكن أن تكون خدّاعة في بعض الأحيان، كما وقفت تلك الحلقة عند قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ) مما يشير بجلاء إلى أهمية دور القلب في تحديد أنواع السلوك وجزائه، إضافة إلى وقوفها المجمل عند مسألة القلب السليم والمنيب، حيث استشهد بآيات قرآنية دالة على دور القلب السليم والمنيب في تحديد جزاء أصحابهما يوم القيامة، فأصحاب القلوب المنيبة يبشرهم ربهم بالفوز بالجنة، ومن أهم وجوه سلامة القلوب سلامتها من فتنة المال والبنين، ومن آفات الكفر والمعاصي، وقد مدح إبراهيم، عليه السلام، في القرآن الكريم من قبل رب العزة سبحانه، كونه صاحب قلب منيب، وورد وصف (منيب) لشريحة من عباد الله، مع استنتاج تأكيد أهمية العناية بسلامة الصدور والقلوب؛ لتحقيق النجاة لأصحابها، والفوز بالجنة، من وصف منيب وسليم للقلب.
وفي الحديث أعلاه، يصف الرسول، صلى الله عليه وسلم، قلب المؤمن بالكرم، وينزع هذا الوصف عن العنب الذي هو أحد مصادر الخمر، وجاء في فتح الباري، أن الحصر - إنما- هنا ليس على ظاهره، وإنما المعنى أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن، ولم يرد أن غيره لا يسمى كرماً.
وفيه قول الخطابي أن المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها، ولأن في بقاء هذا الاسم لها تقريراً لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرماً، وقال إنما الكرم قلب المؤمن؛ لما فيه من نور الإيمان، وهدى الإسلام.
وعن الشيخ أبي محمد بن أبي جمرة أنه لما كان اشتقاق الكرم من الكرم، والأرض الكريمة هي أحسن الأرض، فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة إلا عن قلب المؤمن، الذي هو خير الأشياء؛ لأن خير ما في المؤمن قلبه، الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وهو أرض لنبات شجرة الإيمان، فينبغي للعاقل أن يتعرض لمعالجة قلبه؛ لئلا يهلك وهو على الصفة المذمومة. (فتح الباري، 10/566- 568)

نكت القلوب بالفتن
قال حُذَيْفَةُ: سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ على الْقُلُوبِ، كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حتى تَصِيرَ على قَلْبَيْنِ؛ على أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ، ما دَامَت السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَوَاهُ) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً وأنه يأزر بين المسجدين)
جاء في شرح النووي على صحيح مسلم، أن معنى (تُعْرَضُ) أنها تلصق بعرض القلوب؛ أي جانبها، كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر فيه شدة التصاقها به، قال: ومعنى عوداً عوداً؛ أي تعاد وتكرر، شيئاً بعد شيء، وقيل: معناه تظهر على القلوب، أي تظهر لها فتنة بعد أخرى.
وقوله: (كَالْحَصِيرِ) أي كما ينسج الحصير عوداً عوداً، وشظية بعد أخرى، قال القاضي: وعلى هذا يترجح رواية ضم العين (عُوداً)، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب، كلما صنع عوداً أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى، بعرض قضبان الحصير على صانعها، واحداً بعد واحد. وقوله صلى الله عليه وسلم: (فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ)، معنى أُشربها دخلت فيه دخولاً تاماً، وألزمها، وحلت منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى: {...وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ...} (البقرة:93)؛ أي حب العجل، ومعنى (نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ) أي نقط نقطة، قال ابن دريد وغيره: كل نقطة في شيء بخلاف لونه، فهو نكت، ومعنى أنكرها ردها، والله أعلم.
وقال القاضي عياض، رحمه الله: ليس تشبيهه بالصفا بياناً لبياضه، لكن صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه؛ كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، وقوله: (مُجَخِّيًا) فهو بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم خاء مكسورة ومعناه مائلاً، وفسره الراوي في الكتاب بقوله منكوساً، وهو قريب من معنى المائل، قال القاضي عياض قال لي ابن سراج: ليس قوله (كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا) تشبيهاً لما تقدم من سواده، بل هو وصف آخر من أوصافه، بأنه قلب ونكس، حتى لا يعلق به خير، ولا حكمة، ومثله بالكوز المجخي، وبينه بقوله: (لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا) فشبه القلب الذي لا يعي خيراً بالكوز المنحرف، الذي لا يثبت الماء فيه، ومعنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه، وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن، وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز؛ فإذا انكبَّ انصبَّ ما فيه، ولم يدخله شيء بعد ذلك، وأما قوله: (أَسْوَدُ مُرْبَادًّا) فهو البياض في سواد، وذلك أن شدة البياض في سواد لا يسمى ربدة، وإنما يقال لها بلق إذا كان في الجسم، وحوراً إذا كان في العين، والربدة إنما هو شيء من بياض يسير، يخالط السواد، كلون أكثر النعام، ومنه قيل للنعامة ربداء، فصوابه شبه البياض، لا شدة البياض، وقيل: الربدة لون بين السواد والغبرة، وقال ابن دريد: الربدة لون أكدر، وقال غيره هي أن يختلط السواد بكدرة، وقال الحربي: لون النعام بعضه أسود، وبعضه أبيض، ومنه اربد لونه إذا تغير، ودخله سواد، وقال نفطويه: المربد الملمع بسواد. (صحيح مسلم بشرح النووي، 2/171- 173)

نعمة نزع الغل والشر من القلوب
يحسن بالمرء دائماً تفقد قلبه، وتطهيره من عوالق الشر والإثم، وبخاصة الحقد والغل والرياء، وتلك من أشنع أمراض القلوب، التي من آلاء الله على عباده الصالحين، أنه يطهر قلوبهم منها، ويقول جل شأنه بهذا الخصوص:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (الحجر: 47)
وقد تفضل الله جل في علاه بمنح حسن الجزاء لأصفياء القلوب، فقال عز وجل:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الأعراف: 43)
ومن خصائص المؤمنين وصفاتهم المحمودة، حرصهم الدائم على تنقية قلوبهم من الأدران، حتى إنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يهبهم نعمة الشفاء من الغل تجاه المؤمنين، مصداقاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر: 10) وفسر الغل هنا بالخيانة والحقد. (تفسير السمعاني، 5/402) وبعضهم فسره بالغش، والبغض، والحسد. (فتح القدير 5/202)
وفي المحصلة؛ فإن المؤمن الصالح يتعاهد قلبه بالتطهير، وصرف المفسدات الضارة عنه، كيف لا؟! وهو محرك السلوك، والباعث للأقوال والأفعال، فإذا كان المرء يعنى بسلامة محرك مركبته، ويأخذ الأسباب لذلك، فأخذه ما يلزم من الأسباب لنقاء قلبه أولى وأجدر.
فهذه وقفة أخرى عند بيان أهمية القلوب وسلامة الصدور، عسى أن يهدينا الله لتقدير هذا الجانب المهم من كينونة الإنسان، والعمل على العناية به، آملين متابعة الوقوف عند مزيد من جوانب هذه المسألة الفطرية والإيمانية في ضوء ما روي بشأنها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
15 شعبان 1438هـ

تاريخ النشر  2017-05-12
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس