.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يعنى بسلامة الصدور - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ها هنا، وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله)
يبين الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه هذا مكانة القلب تجاه ما يصدر عن صاحبه من سلوك، وبالتالي تجاه مصيره وجزائه، فهو المحرك للخير أو الشر، والمنطلق للسلوك القولي والفعلي، فهو بيت المقاصد، ومبعث التصرف، من هنا حدد عليه الصلاة والسلام مقر التقوى في الجسد، مبيناً أن محلها القلب من خلال إشارته إلى صدره ثلاث مرات، ومعلوم أن التقوى تعني في اللغة الوقاية والخشية، وحدد بعض السلف معناها الاصطلاحي، فنسب إلى الإمام علي، رضي الله عنه، تعريفها: بأنها العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل سبحانه، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. (شرح العقيدة الطحاوية، 1/1675)

التقوى في القلوب
كون محل التقوى القلب، يعني شيئاً كثيراً، من ذلك أن العبرة بها أولاً لا بغيرها، فليست العبرة بالمظاهر والكميات، فكم من كاسية الجسد، عارية الجزاء، وكم من حريص على حسن المظهر، وقلبه مليء بالشر، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (...إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أَجْسَادِكُمْ، ولا إلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إلى صَدْرِه) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله)
والله جلَّ ذكره حذر من الانخداع ببعض مظاهر الناس، فقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ}. (البقرة: 204)
وثبت عن ابن عمر، قوله: (لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى، حتى يَدَعَ ما حَاكَ في الصَّدْرِ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس)
وهذا القول يتفق مع حديث النَّوَّاسِ بن سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ، حيث قال: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عن الْبِرِّ وَالإِثْمِ، فقال: الْبِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه الناس) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم)
ومن دواعي التدبر في معاني الحديث أعلاه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر تحديد موضع التقوى، وأنه في الصدر، في سياق الحديث عن قضايا سلوكية، فجاء هذا التحديد بعد النهي عن سلوكات الحسد والنجش والتباغض والتدابر، وبيع الأخ على بيع أخيه، وأمر المسلمين بأن يكونوا عباد الله إخواناً، والتأكيد على أن الْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، مما يبرز دور التقوى في تقويم السلوك واستقامته.
وبالنسبة إلى قوله صلى الله عليه وسلم:(بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) فهو يعني أنه يكفي محتقر أخاه من الشر، احتقار أخيه، فهو يجلب له الويلات، وفي تحفة الأحوذي، أن التقوى محلها، مخفي عن الأعين، فلا يحكم بعدمها لأحد حتى يحقره، أو يقال محل التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى لا يحقر مسلماً؛ لأن المتقي لا يحقر مسلماً. (تحفة الأحوذي، 6/46)

في الجسد مضغة
في حديث نبوي آخر، جاء التأكيد على أهمية القلب كباعث للسلوك، لشكله ونوعه، فعن النُّعْمَان بن بَشِيرٍ، يقول: (سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (الحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ من الناس، فَمَنْ اتقى الْمُشَبَّهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، ألا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إِنَّ حِمَى اللَّهِ في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه)
فهذا الحديث الشريف يبرز أهمية دور القلب في تحديد أنواع السلوك وجزائه، وهو بهذا يشبه ما تضمنه حديث أبي هريرة سالف الذكر، من حيث ذكر دور القلب في سياق الحديث عن قضايا سلوكية، تتعلق بالحلال والحرام والاستبراء للدين من الشبهات، وفي عمدة القاري، قوله: (مضغة) أي قطعة من اللحم، سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها، وقوله: (صلحت) بفتح اللام وضمها، والفتح أصح، والصلاح ضد الفساد، والمفسدة خلاف المصلحة، وقوله: (القلب) هو الفؤاد، وقد يعبر به عن العقل، وقال الفراء في قوله تعالى: {إنَّ في ذَلكَ لذكرى لمن كَانَ لَهُ قَلب...}(ق:37) أي عقل، وقيل: القلب أخص من الفؤاد، وقال الأصمعي: وفي البطن الفؤاد، وهو القلب، سمي به لتقلبه في الأمور، وقيل: لأنه خالص ما في البدن، إذ خالص كل شيء قلبه، وأصله مصدر، وقلبت الشيء أقلبه قلباً، إذا رددته علي بذاته، وقلبت الإناء رددته على وجهه، وقلبت الرجل عن رأيه، وعن طريقه، إذا صرفته عنه، ثم نقل وسمى به هذا العضو الشريف لسرعة الخواطر فيه، وترددها عليه، وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:
ما سمي القلب إلاَّ من تقلبه فاحذر على القلب من قلب وتحويل
وقد قال بعضهم: ليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه، إذ ليس بين القلب والقلب إلاَّ التفخيم، وما يعقلها إلاَّ كل ذي فهم مستقيم. (عمدة القاري، 1/298)
وروي عن عبد اللَّهِ، قال: (أَكْثَرُ ما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يَحْلِفُ: لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب مقلب القلوب)، ويؤكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ قُلُوبَ بني آدَمَ كُلَّهَا بين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِعِ الرحمن، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ، حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: اللهم مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا على طَاعَتِكَ) (صحيح مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء)

القلب السليم والمنيب
ما دام القلب يحرك سلوك صاحبه، فإن الله عز وجل نبه إلى دور القلب السليم والمنيب في تحديد جزاء أصحابها يوم القيامة،
فأصحاب القلوب المنيبة يبشرهم ربهم بالفوز بالجنة، حسب ما جاء في قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} (ق:31-33)
وفي التفسير الكبير، أن القلب المنيب في قوله تعالى: {وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} كالقلب السليم في قوله تعالى: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الصافات: 84)؛ أي سليم من الشرك، ومن سلم من الشرك يترك غير الله، ويرجع إليه، فكان منيباً، ومن أناب إلى الله بريء من الشرك، فكان سليماً. (التفسير الكبير، 28/154)
وعلى لسان إبراهيم، عليه السلام، يقول جل شأنه: {وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 87-89)
والمراد بسليم في هذه الآية الكريمة السلامة من فتنة المال والبنين، ومعنى سلامة القلب سلامته من آفات الكفر والمعاصي، ومما أكرم الله تعالى به خليله، ونبه على جلالة محله في الإخلاص أن حكى استثناءه هذا حكاية راض بإصابته فيه، ثم جعله صفة له في قوله: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْراهِيمَ* إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الصافات: 83- 84)، (الكشاف، 3/326)
وقد مدح إبراهيم، عليه السلام، في القرآن الكريم من قبل رب العزة سبحانه، كونه صاحب قلب منيب، كما جاء في قوله جل شأنه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}. (هود: 75)
وورد وصف (منيب) لشريحة من عباد الله، كما في قوله تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} (ق:8)، ومما لا ريب فيه أن وصف منيب وسليم للقلب، يؤكد أهمية العناية بسلامة الصدور والقلوب؛ لتحقيق النجاة لأصحابها، والفوز بالجنة.
فهذه وقفة عند مقام العناية بسلامة الصدور، عسى أن يهدينا الله لتقدير هذا الجانب المهم من كينونة الإنسان، والعمل على العناية به، آملين متابعة الوقوف عند مزيد من جوانب هذه المسألة الفطرية والإيمانية في ضوء ما روي بشأنها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
8 شعبان 1438هـ

تاريخ النشر  2017-05-05
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس