.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يعلمنا الاستسقاء  

==========================================================

 عن عبد اللَّهِ بن أبي بَكْرٍ، عن عَبَّادِ بن تَمِيمٍ، عن عَمِّهِ، قال: (خَرَجَ النبي، صلى الله عليه وسلم، يَسْتَسْقِي، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب الاستسقاء، باب الاستسقاء وخروج النبي، صلى الله عليه وسلم، في الاستسقاء)
يشير هذا الحديث الشريف إلى سنة من سنن الرسول، صلى الله عليه وسلم، الفعلية، ألا وهي سنة الاستسقاء، الذي يُلجأ إليها عادة عند الجدب أو تأخر نزول الغيث، الذي هو من سنن الله تعالى وآياته في هذا الكون، وهو رحمة للمخلوقات، ونعمة للكائنات، وسبب لاستمرار الحياة، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ}(الأنبياء:30)، والرسول، صلى الله عليه وسلم، مارس الاستسقاء بنفسه، بكيفيات سيتم الوقوف عند بعضها لاحقاً.

تعريف الاستسقاء
جاء في لسان العرب: اسْتَقى الرجلَ واسْتَسْقاه: طَلب منه السَّقْيَ. والاسْتِسْقاء هو اسْتِفْعال من طَلب السُّقْيا، أَي إنْزال الغَيْثِ على البلادِ والعِبادِ. يقال: اسْتَسْقى وسَقى اللهُ عبادَه الغَيْثَ، وأَسْقاهم، والاسم السُّقْيا، بالضم. (لسان العرب،7/212)
وفي فتح القدير، الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء، وحبس المطر، ومعناه في اللغة طلب السقيا، وفي الشرع ما ثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في صفته، من الصلاة والدعاء. (فتح القدير:1/91)

حاجة الأرض إلى الماء
اقتضت حكمة الله جل شأنه أن يجعل من الماء كل شيء حي، وهو سبحانه جعل الماء الذي ينزله من السحاب على الأرض، آية من آياته العظيمة، وهو القائل:{وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً* لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً *وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً}(النبأ:14-16)
والأرض المجدبة إذا نزل الماء عليها أنبتت من كل زوج بهيج، ولبست حلتها الخضراء، واستبشر أهلها، مصداقاً لقوله تعالى: {...وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (الحج:5)
جاء في التفسير الكبير أن قوله سبحانه وتعالى: {وَتَرَى الاْرْضَ هَامِدَةً} أي تراها يابسة، خالية عن النبات والخضرة، وقوله: {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} أي تحركت بالنبات وانتفخت.
أما قوله تعالى: {وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} فهو مجاز؛ لأن الأرض ينبت منها، والله تعالى هو المنبت لذلك، لكنه يضاف إليها توسعاً، ومعنى{مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي من كل نوع من أنواع النبات؛ من زرع وغرس، والبهجة حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج، قال المبرد: وهو الشيء المشرق الجميل. (التفسير الكبير:9/23)

اللجوء إلى دعاء الله والإنابة إليه عند الجدب والقحط
يلجأ الناس إلى الله طالبين النجدة والفرج، حين تواجههم مصاعب الحياة ومشقاتها وكروبها، ومن ذلك جدب الأرض وقحطها بسبب قلة الماء أو انحباس الغيث أو تأخر نزوله، ومن الشواهد القرآنية على مثل هذا اللجوء، ما كان من موسى، عليه السلام، الذي استسقى لقومه لما عطشوا واحتاجوا إلى الماء، وعن هذا يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (البقرة:60)
وهود، عليه السلام، دعا قومه إلى الاستغفار استجلاباً لماء السماء، وبهذا الصدد يقول جل شأنه: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ* يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ* وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} (هود: 50-52)، والمراد بالسماء هنا المطر والسحاب، أو السماء حقيقة، ومدراراً بناء مبالغة وتكثير، من قول در المطر إذا غزر. (التسهيل لعلوم التنزيل:2/3)
وتكرر مثل هذا الحث من قبل نوح، عليه السلام، فخلال سرد القرآن الكريم لمقاطع من حواره معهم، يقول تعالى:{ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً*ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً* فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} (نوح:8-11)
فعلى العباد أن يتوجهوا إلى الله تعالى بالدعاء والاستغفار والابتهال والتضرع طلباً للعفو والرحمة، والتجاوز عن السيئات بإغاثتهم بالمطر الذي تحيا به الأرض، وتنتفع به المخلوقات، وتنشر به الرحمة، مصداقاً لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}(الشورى:28)

صفة الاستسقاء
الاستسقاء في الإسلام عبادة، ورد أصلها عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وصفته لها صيغ عدة، وردت في الهدي النبوي، ففي الحديث الشريف: (أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ)(صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب الاستسقاء، باب تحويل الرداء في الاستسقاء)، وصلاة الاستسقاء كصلاة العيد؛ يكبر فيها الإمام تكبيرات الزوائد، ويجهر بها في القراءة، ثم يخطب بعدها بالناس، ويتوجه إلى القبلة بالدعاء، ويبالغ برفع الأيدي، وهو يدعو، ويكثر من الاستغفار.
ويسن خروج الناس إلى الفلاة لأداء صلاة الاستسقاء، يخرج الشيوخ والأطفال وأهل الدين والصلاح، لأنهم الأقرب إلى استجابة دعائهم.
ومن صور الاستسقاء المشروعة الدعاء يوم الجمعة على المنبر في خطبة الجمعة، فقد ورد عن أَنَس بْن مَالِكٍ، رضي الله عنه، (أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ، كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أَنَسُ: وَلا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلا قَزَعَةً، وَلا شَيْئًا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ)(صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع)
ومن الأدعية التي وردت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في الاستسقاء (... اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا...) (صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع)، وفي لفظ: (... اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ...)(صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء)
ومن هذا الهدي النبوي في الاستسقاء استرشد الصحابة، رضي الله عنهم، فاستسقوا، فقد روى أنس، رضي الله عنه، (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا، فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ)(صحيح البخاري، (صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع))، وهذا حديث ثابت وصحيح، لا يقبل الطعن، الذي ذهب إليه بعض من أنكر التوسل بالأشخاص في الدعاء، إذ إن التوسل بدعاء الصالحين مشروع، ويختلف عن اتخاذ ند مع الله.

الحاجة إلى الاستسقاء مستمرة
في هذا العام وفي كل عام يجدر بالمؤمنين التضرع إلى الله طالبين الغوث، وبخاصة عند تأخر الأمطار وشحها، وينبغي أن يرافق هذا التضرع أو يسبقه اللجوء إلى الله تعالى بالتوبة الصادقة عن الخطايا والذنوب، وترك المظالم، والتخلي عنها، والتقرب إلى الله بالطاعات؛ كالصيام والنوافل والصدقات والضراعة إلى الله تعالى بقلوب خاشعة منكسرة، وهم يطلبون السقيا من المولى عز وجل.
فالتذلل إلى الله تعالى من أسباب إجابة الدعاء، وقد وصف الله عباده الصالحين بذلك، فقال تعالى:{وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}(الأنبياء:90)
فعلينا أن نُخلص النوايا لله تعالى بتوبة صادقة، وأعمال صالحة، وندعو الله تعالى بخير الدعاء في طلب الغيث بما دعاه به رسوله الأكرم، صلىالله عليه وسلم ، فهو أقرب للإجابة، وأدعى للقبول، إن الله تعالى بعباده رؤوف رحيم.
وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا الأسوة، وعلى آله الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن سار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين.
5 ربيع الأول 1439هـ

تاريخ النشر  2017-11-24
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس