.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ويحث على تحري ليلة القدر فيها  

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم: (كان يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ من رَمَضَانَ، حتى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ من بَعْدِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها)
يدل هذا الحديث الشريف على مشروعية الاعتكاف، حسب السنة العملية الثابتة بشأنه عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، والتي اقتفى أثرها من بعده صحابته الغر الميامين، وعباد الله المخلصين.

معنى الاعتكاف
الاعتكاف في اللغة: مصدر مشتق من عكف، وله في اللغة معان عدة، منها، المواظبة والحبس، ومما جاء بشأنه في لسان العرب، أنه يأتي بمعنى الإقامة، ويقال لمن لازَمَ المسجد وأَقام على العِبادة فيه: عاكف ومُعْتَكِفٌ، والاعْتِكافُ والعُكوف: الإقامةُ على الشيء وبالمكان ولزُومهما. (لسان العرب: 10/242)
الاعتكاف في الاصطلاح: هو لزوم المكوث في المسجد؛ طاعة لله، وتقرباً إليه سبحانه.

ذكر الاعتكاف في القرآن والسنة
أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، بتطهير بيته الحرام للطائفين والعاكفين والركع السجود، فقال عز وجل: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة:125)
وورد ذكر الاعتكاف بصيغ مختلفة، في بعض آيات القرآن الكريم، فيقول تعالى: {... وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (البقرة:187)، ففي هذه الآية الكريمة بيان لحكم شرعي يرتبط بالاعتكاف في المسجد، حيث نهي المعتكف عن مباشرة زوجه بالجماع ودواعيه وهو معتكف.
ومن جانب آخر وردت الإشارة إلى الاعتكاف للتماثيل والأصنام، فقال تعالى: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} (الأنبياء: 52)؛ أي مقيمون على عبادتها، وورد في موضع قرآني آخر حديث عن الاعتكاف على الأصنام، فقال جل ذكره: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف:138)، وقال تعالى:{قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} (الشعراء:71)، وفي شأن مشابه، فإن قوم موسى نهاهم أخوه هارون عن عبادة العجل، فعكفوا عليه، أي أصروا على ملازمة عبادته، حيث جاء عن ذلك في قوله تعالى: {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} (طه:91)؛ أي أنهم قالوا: لا نترك عبادته - العجل- حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك، وحاربوه وكادوا أن يقتلوه. (تفسير ابن كثير، 3/164)

حكم الاعتكاف ودليل مشروعيته
الاعتكاف سنة، لولا مشروعيته ما طلب الله بتطهير البيت للعاكفين، حسب قوله تعالى: {...أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)
معنى{والعاكفين} هم المعتكفون في المسجد، وقيل المصلون، وقيل المجاورون من الغرباء، وقيل أهل مكة، والعكوف في اللغة اللزوم. (التسهيل لعلوم التنزيل، 1/60)
وثبت حسب الحديث المثبت أعلاه، وما عاضده من الروايات، أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يعتكف، وبخاصة في رمضان والعشر الأواخر منه.

فضل الاعتكاف وآثاره
للاعتكاف فضائل كثيرة، ودلالات تعبدية عديدة، فالمعتكف يتجرد عن الدنيا ومشاغلها بحبس نفسه في بيت الله؛ للصلاة، والذكر، والاستغفار، والإنابة إلى الله جل في علاه، طالباً الرحمة والغفران، والله يجيب المضطر إذا دعاه، فكيف بالمحتبس للدعاء، والطاعة، والعبادة، والتفرغ للإنابة؟ كما أن المعتكف يصقل بالاعتكاف نفسه، فيهذبها، ويطهرها، ويعوده الحرص على توثيق الصلة بالله، والزهد في التكالب على الدنيا، وهو بهذا يجني من اعتكافه ثماراً تهذيبية لنفسه وسلوكه وقلبه، ويسلك درباً معبدة ميسرة إلى نيل مرضاة الله، والفوز بنعيمه، والنجاة من سخطه، وعقابه.
وفي مسرى النبي، محمد، صلى الله عليه وسلم، القابع في أسر المحتلين الغاصبين الظالمين، يكون للاعتكاف شكل مميز، وأهمية خاصة، فعدا عن مضاعفة الثواب للمعتكف فيه، فإنه بحاجة ماسة إلى حشد المزيد من المعتكفين فيه، والمرابطين، على مدار الساعة، للذود عن حياضه، وإعماره بذلك.

إخلاص النية في الاعتكاف
كأي عبادة أخرى يلزم الاعتكاف نية صادقة خالصة من الرياء، وخالية من المقاصد الأخرى، فالأعمال بالنيات، كما جاء في الحديث المشهور، أن رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أو إلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه) (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم)
عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ من رَمَضَانَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ، فَأَذِنَ لها، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لها، فَفَعَلَتْ، فلما رَأَتْ ذلك زَيْنَبُ ابنة جَحْشٍ، أَمَرَتْ بِبِنَاءٍ فَبُنِيَ لها، قالت: وكان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إذا صلى انْصَرَفَ إلى بِنَائِهِ، فَبَصُرَ بِالأَبْنِيَةِ، فقال: ما هذا؟! قالوا: بِنَاءُ عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: ألبر أَرَدْنَ بهذا؟! ما أنا بِمُعْتَكِفٍ، فَرَجَعَ، فلما أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا من شَوَّالٍ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج)
يقول ابن حجر: وكأنه صلى الله عليه وسلم، خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة، والتنافس الناشىء عن الغيرة، حرصاً على القرب منه خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو لما أذن لعائشة وحفصة، أولاً كان ذلك خفيفاً، بالنسبة إلى ما يفضى إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك، فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف، فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوال. (فتح الباري، 4/276)

الاعتكاف في رمضان
اعتكف الرسول، صلى الله عليه وسلم، في العشر الأوسط من رمضان، ثم حثَّ على العناية بالاعتكاف في العشر الأواخر منه، ويظهر أن الحث على الاعتكاف في العشر الأواخر، مرتبط بليلة القدر التي تم الحث على تحريها في ليالي الفرادى من العشر الأواخر من رمضان، فعن أَبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، قال: (سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، رضي الله عنه، قلت: هل سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، قال: نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، العَشْرَ الأَوْسَطَ من رَمَضَانَ، قال: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، قال: فَخَطَبَنَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فقال: إني أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأَوَاخِرِ في وِتْرٍ، فَإِنِّي رأيت أَنِّي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كان اعْتَكَفَ مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَلْيَرْجِعْ، فَرَجَعَ الناس إلى المَسْجِدِ، وما نَرَى في السَّمَاءِ قَزَعَةً، قال: فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ، وَأُقِيمَتْ الصَّلاةُ، فَسَجَدَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في الطِّينِ وَالمَاءِ، حتى رأيت أثر الطِّينِ في أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف وخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، صبيحة عشرين)
يظهر من هذا الحديث الشريف أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم انتقل منها إلى الاعتكاف في العشر الأواخر منه، وفي العام الذي توفي فيه، اعتكفهما؛ أي اعتكف عشرين يوماً، ففي الحديث الصحيح، عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يَعْتَكِفُ في كل رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فلما كان الْعَامُ الذي قُبِضَ فيه، اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا) (صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان)
مما سبق بيانه عن معنى الاعتكاف، وذكره في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وفضله وآثاره، وإخلاص النية فيه، وممارسته في رمضان، وتحري ليلة القدر في الليالي الفرادى من العشر الأواخر من رمضان، يظهر مدى أهمية الحرص على تحين مواسم الخير وفرصه، للتقرب إلى الله تعالى فيها، أملاً في نيل غفران الذنوب والخطايا، والفوز بجنة عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين من عباده، وإمامهم خاتم النبيين رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
23 رمضان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-06-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس