.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يعبر في طريق هجرته عن يقينه بالمعية الإلهية  

==========================================================

 يقول الله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (التوبة: 40)
يتعلق هذا الخطاب القرآني بقضية بالغة الأهمية، كونها تخص نصرة الباري جل في علاه لنبيه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وفي التسهيل لعلوم التنزيل، أن قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ...} شرط وجواب، والضمير لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتفسير ارتباط هذا الشرط مع جوابه، أن المعنى إن لم تنصروه أنتم، فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، فدل بقوله: {نَصَرَهُ اللّهُ} على نصره في المستقبل. {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني عند خروجه من مكة مهاجراً إلى المدينة، وأسند إخراجه إلى الكفار؛ لأنهم فعلوا معه من الأذى ما اقتضى خروجه. {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} هو وأبو بكر الصديق، وقوله: {إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} يعني بالنصر واللطف، {فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} الضمير للرسول، صلى الله عليه وسلم، وقيل لأبي بكر؛ لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، نزلت معه السكينة، ويضعف ذلك بأن الضمائر بعدها للرسول عليه السلام، {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة يوم بدر وغيره، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى} يريد إذلالها ودحضها، {وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا} قيل هي لا إله إلا الله، وقيل الدين كله. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/76)
وقد صدرت هذه الطمأنة من النبي، صلى الله عليه وسلم، لصاحبه أبي بكر بأنهما في معية الله جل في علاه، وهما في طريق الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ففي حديث الْبَرَاءَ بن عَازِبٍ، عن أبي بَكْرٍ، رضي الله عنه، قال: (...فَارْتَحَلْنَا بعدما مَالَت الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بن مَالِكٍ، فقلت: أُتِينَا يا رَسُولَ اللَّهِ، فقال: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَدَعَا عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إلى بَطْنِهَا، فقال: ...إني أُرَاكُمَا قد دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا له النبي، صلى الله عليه وسلم، فَنَجَا، فَجَعَلَ لا يَلْقَى أَحَدًا، إلا قال: كَفَيْتُكُمْ ما هُنَا، فلا يَلْقَى أَحَدًا إلا رَدَّهُ، قال: وَوَفَى لنا). (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، عبر عن يقينه بأن الله يؤيدهما، كيف لا؟ وهو المبلغ عن ربه قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج: 38)، وعلى رأس المؤمنين الذين يدافع الله عنهم رسوله، صلى الله عليه وسلم، حامل رسالته للعالمين، الداعي إليه على بصيرة، هو ومن اتبعه من المؤمنين، فحق له أن يطمئن إلى أن الله سينتصر له، حتى لو لجأ إلى الهجرة عن بلده ومسقط رأسه، فالله معه، وكافيه أعداءه، وناصره عليهم، طال الزمن أم قصر، إذ العاقبة للمتقين، والخزي والعار للظالمين.

شواهد لليقين بالمعية الإلهية
المؤمنون حقاً هم الذين يثقون بالعون الإلهي والمدد الرباني، لا يفارقهم اليقين بذلك في أحوالهم كلها، مهما اشتد عسرها، وطال ليلها، وقد ضربت أم إسماعيل، عليهما السلام، مثلاً رائعاً لهذا اليقين، حين تركها زوجها إبراهيم، عليه السلام، وولدها في صحراء قاحلة، فلما علمت منه أن الأمر بذلك يعود لله جل في علاه، قالت قولتها الإيمانية المشهورة: (إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا)، قال ابن عَبَّاسٍ، قال: (أَوَّلَ ما اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ من قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا على سَارَةَ، ثُمَّ جاء بها إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حتى وضعها عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بها مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فيه تَمْرٌ، وَسِقَاءً فيه مَاءٌ، ثُمَّ قفي إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فقالت: يا إِبْرَاهِيمُ؛ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بهذا الْوَادِي الذي ليس فيه إِنْسٌ ولا شَيْءٌ؟! فقالت له ذلك مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فقالت له: آلله الذي أَمَرَكَ بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا ...) (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب منه)
فالذي يركن إلى الله تعالى، إنما يستند إلى القوة الأكبر، التي شرع للمصلي المسلم أن يكرر التعبير عنها بصيغة (الله أكبر) في صلاته، بدءاً من الشروع بها، ومروراً بالانتقال بين أفعالها، فيكرر تردادها في الركعة الواحدة ما لا يقل عن خمس مرات، ويتضاعف العدد مع مضاعفة عدد الركعات، ولا توجد عبارة تتكرر في الصلاة مثلها، فهي جديرة بالفهم واليقين، فالذي يعلم أن الله أكبر من أي كبير، ويستحضر إيمانه بهذه الحقيقة في أحواله كلها، إنما يتربى على مائدة إيمانية يتزود منها يومياً بتذكير ينفعه في حله وترحاله، وبخاصة في شدائده وملماته، فلا يضعف أمام الصعاب، ولا يتهاوى أمام الخطوب، ما دام يؤمن جزماً بأن مع العسر يسراً، وأن الغلبة في نهاية المطاف وفق المعادلة الإيمانية لن تكون إلا لله وحزبه، وأنها كما كانت لنوح وموسى وعيسى ولمحمد، عليهم الصلاة والسلام، ستكون لأهل الحق الذي عرفوه والتزموه، ولم يتنكبوا دربه، فطوبى لهم وحسن مقام، وسلام عليهم في الأولين والآخرين، على منوال أصفياء الله ورسله، الذين بعد أن اشتدت بهم الكروب، جاءهم نصر الله المبين، مصداقاً لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (يوسف: 110)
والشواهد على المعية الإلهية لأصفيائه كثيرة، سواء للمتدبر في أرض الواقع ومجريات أحداثه، أم لمطالع الآيات القرآنية، وتاليها، ومتدبر معانيها، والتي منها قوله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} (الأنفال: 12)، فالله لم يمد المؤمنين بالملائكة لنصرتهم فحسب، بل كان معهم معاضداً ومؤازراً وناصراً، ومن كان الله معه كفاه.

نموذج للذين يركنون إلى غير الله تعالى
على خلاف يقين محمد، صلى الله عليه وسلم، وأم إسماعيل، عليهما السلام، والمؤمنين في كل زمان ومكان، بحتمية انتصار من كان الله معه، فإن بعض الناس قديماً وحديثاً يرتابون بهذه الحقيقة الإيمانية، فيتركون جانب الله الأكبر إلى شيء من خلقه عظم في أعينهم، فظنوا النجاة معه لا مع خالقه، كما كان من ابن نوح، عليه السلام، حيث رد على نصح أبيه، بأنه سيلجأ إلى الجبل ليحميه من الغرق القادم، فكان في المحصلة من المغرقين، وعن الحوار الذي دار بين نوح، عليه السلام، وابنه حول هذه القضية، يحدث القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} (هود:41-43)
فلا الجبل ولا غيره يمكن أن يغني من استهدفه الله بالعقاب والسخط، بينما يبدل الله ضعف من شاء قوة، ومن أسطع الشواهد على ذلك عودة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأتباعه من دار هجرتهم فاتحين لبلدهم الحرام الذي اضطُهدوا فيه من قبل، مرددين جاء الحق، وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.
سائلين الله العلي القدير أن يلهمنا السداد واليقين بأن الله معنا ولن يضيعنا، مهما اشتدت بنا الخطوب، وضاقت بنا السبل، فنصر الله لنا بإذن الله قريب، وهو آت لا محالة، لأن الله معنا كما كان في الهجرة وغيرها مع رسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 محرم 1439هـ

تاريخ النشر  2017-09-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس