.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يعبر عن يقينه وثقته بوعد الله  

==========================================================

 عن أَنَسِ بن مَالِكٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَامَ عليهم، فَنَادَاهُمْ، فقال: يا أَبَا جَهْلِ بن هِشَامٍ؛ يا أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ؛ يا عُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ؛ يا شَيْبَةَ بن رَبِيعَةَ؛ أَلَيْسَ قد وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قد وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ يَسْمَعُوا؟ وَأَنَّى يُجِيبُوا وقد جَيَّفُوا، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بيده ما أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ منهم، وَلَكِنَّهُمْ لا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ) (صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه)
عبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه أعلاه عن يقينه وثقته بتحقق وعد الله، بلسان مقاله وحاله، في مواقفه وأقواله، ومن ذلك ما كان منه بعد الانتهاء من غزوة بدر الكبرى، أولى المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام، إذ وقف صلى الله عليه وسلم، عند القليب الذي دفن فيه قتلى كفار مكة، وأكد على هذه الحقيقة، كما ورد في الحديث الصحيح المثبت نصه أعلاه.

وعد الله المؤمنين برسالته بالاستخلاف والتمكين والأمن
تكرر صدور الوعد الإلهي للمؤمنين بالنصر والاستخلاف والتمكين في آيات قرآنية عديدة، منها قوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55)
تضمنت هذه الآية الكريمة ثلاثة وعود صادقة من رب السماوات والأرض للمؤمنين، فوعدهم أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدل خوفهم أمناً، والمؤمن في أحلك ظروفه لا يساوره شك في وعد الله الحق، وقد أكد الله على هذه الحقيقة الخالدة في العديد من الآيات القرآنية، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (فاطر: 5)، وبما أن وعد الله حق، والله لا يخلف الميعاد، فإن نصر الله آت آت، وقريب قريب، شاء من شاء، وأبى من أبى، والله عز وجل يقول:{أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (يونس: 55)، ويقول تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(الروم: 6)

ارتباط الأمر بالصبر بذكر حقيقة وعد الله الحق
المتتبع لمواضع ذكر وعد الله الحق في الآيات القرآنية الكريمة يجد أن الأمر بالصبر اقترن بهذا الذكر بل سبقه، في عدد منها، فقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} (غافر: 55)، وقال عز وجل:{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (غافر: 77)، وقال جل ذكره: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} (الروم: 60)
وحق للمرء أن يتساءل ويبحث عن تفسير لهذا الارتباط أو الاقتران، فالشدائد والمحن يلزم من يواجهها التحلي بالجلد والصبر، حتى يقوى عليها، ويتجاوز كربها، وإن مما يزيد المؤمن جلداً وصبراً يقينه بتحقق وعد الله له بالنصر والعزة والاستخلاف والتمكين لدينه، واستبدال خوفه بأمن، وقد كانت لهذا الإيمان بصمات وآثار، ظهرت بارزة في مواقف الأنبياء، عليهم السلام، والمؤمنين الصادقين، ومنهم الصحابة الكرام، رضي الله عنهم، والتي من شواهدها إصرار بلال بن رباح على النطق بالشهادة، وهو يجلد في أقسى الظروف والأحوال، وقد تحقق له في العاقبة، أن يؤذن من الكعبة المشرفة التي كان يعذب سابقاً في محيطها، والوعد الرباني هو هو، فالله لن يخلف وعده، وهو القائل جل شأنه: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (إبراهيم:47) فمن الصفات الثابتة لله تعالى الوفاء بالوعد والعهد، وقد قدم جل ذكره الإشارة إلى ذلك في هذه الآية الكريمة، ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً على الإطلاق، ثم قال: رسله، ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله، وخيرة خلقه، فقدم الوعد أولاً بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. (التسهيل لعلوم التنزيل 2/143)
ويقول تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 6)، ويقول سبحانه: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} (الأنبياء: 9)
يقول صاحب أضواء البيان، إن الله جل وعلا بين في هذه الآيات أنه أرسل الرسل إلى الأمم، فكذبوهم، وأنه وعد الرسل بأن لهم النصر والعاقبة الحسنة، وأنه صدق رسله ذلك الوعد، فأنجاهم، وأنجى معهم ما شاء أن ينجيه، والمراد به من آمن بهم من أممهم، وأهلك المسرفين وهم الكفار المكذبون الرسل، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} وقوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام}ٍ. (أضواء البيان، 4/137)
وقد صدق الله المسلمين وعده بأن نصرهم على أعدائهم، وعن هذا يقول عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ...}(آل عمران: 152) ومعنى تحسونهم؛ أي تقتلونهم وتستأصلونهم، وهذا ما كان مع أعداء الثلة المؤمنة، التي انتصرت عليهم بإذن الله وتوفيقه.
وصدق الله المؤمنين وعده بوراثة الأرض، والجنة من بعدها، فقال جل شأنه: {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم: 14)، وقال عز وجل: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر: 74)

الذكرى المئوية لوعد بلفور
في سياق التذكير بيقين المؤمنين بقيادة رسولهم محمد، صلى الله عليه وسلم، بوعد الله وثقتهم بنصره، وهو الذي وعدهم بالاستخلاف في الأرض، والتمكين لدينهم فيها، واستبدال خوفهم بالأمن، فهذه الوعود من رب العزة والكون وخالق الخلق، تستحق الاعتزاز والاطمئنان إليها، والاحتفاء بها دائماً وأبداً، وقد نزلت الآيات القرآنية بها منذ عشرات القرون ومئات السنين، ومع ذلك؛ فإن كثيراً منهم يتجاهلونها ويتعامون عنها، في مقابل الطنات والرنات التي يقيمها بعض الناس لوعد بشري ظالم، فهاهم يحتفلون بمئوية وعد بلفور، الذي صدر عن وزير خارجية بريطانيا في الثاني من تشرين الثاني من عام 1917، والذي منح تشريعاً لاستجلاب اليهود إلى فلسطين بموجب وعد جائر أصدره لقادتهم، يقضي بتسهيل إقامة وطن قومي لهم على أرضنا الفلسطينية.
ومن أبسط وأصدق ما قيل في هذا الوعد الظالم، أنه صدر عمن لا يملك لمن لا يستحق، والله تعالى يقول في أمثال هذه الوعود الزائفة وأهلها: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} (الإسراء: 64)، فهي وعود شيطانية باطلة وخداعة وظالمة.
بخلاف الوعد الرباني الذي يصدر عن مالك الملك سبحانه، لمن اختارهم للاستخلاف في الأرض، من عباده المخلصين، السالفين واللاحقين، ولكن أكثر الناس لا يفقهون، ولا يعلمون.
فأيهما أجدر بالاحتفال: الوعد الحق، أم وعود الباطل؟!! لا ريب أن العقلاء يؤمنون بأن وعد الله هو الحق، وهو الأجدر باليقين والثقة والاعتزاز، وأما وعود الظالمين فهي وإياهم إلى بوار وبئس المصير.
فتبت يدا بلفور ومن جاراه وسانده والتف حوله ووثق بوعده، راجين الله أن يهدينا إلى اليقين بنصره والثقة بعهده، والعمل بما يرضيه سبحانه، لنكون ممن ينصرون الله وينصرهم، ويثبت أقدامهم، على درب أخيار المؤمنين، وعلى رأسهم الهادي الأمين، وخاتم النبيين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
14 صفر 1439هـ

تاريخ النشر  2017-11-03
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس