.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يطمئن أم الشهيد - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن جَابِر بن عبد اللَّهِ، رضي الله عنهما، قال: (لَمَّا قُتِلَ أبي، جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عن وَجْهِهِ أبكي، وينهوني عنه، وَالنَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: تَبْكِينَ أو لا تَبْكِينَ، ما زَالَتْ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حتى رَفَعْتُمُوهُ) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه)
وقفت حلقة سابقة عند بعض منازل الشهداء، ومقامهم الرفيع عند الله، مما يقدم لذويه، وبخاصة والديه العزاء والطمأنة، ويخفف عنهم من حزن الفراق، ويجعلهم يرتدون ثياب الجَلَد، والصبر الجميل، على شاكلة الثوب الذي ارتداه المؤمن المبتلى يعقوب، عليه السلام، الذي ما نسي الاستعانة بالصبر الجميل في محنته، كما حدث القرآن الكريم عنه، إذ يقول جل شأنه: {وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (يوسف: 18)، ولم تكن محنته تلك عابرة، بل إنها تسببت في فقد بصره، لكنه لم يفقد الثقة بالله، والأمل بالفرج، ولم يختلج إيمانه الشك والريبة، أو الجزع والإحباط، وهكذا أم الشهيد التي يعتريها الحزن الطبيعي على غياب فلذة كبدها، لكن مقامه الموعود في الآخرة عند ربه، وفي الدنيا عند كرام أهله، يبلسم جرحها النازف، ويضمد قلبها المكلوم، وفي الحلقة السابقة تم التركيز على حديث أم حارثة، التي استشهد ولدها حارثة في غزوة بدر، وبشرها الرسول، صلى الله عليه وسلم، بأنه في الفردوس، كما تم التذكير فيها بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وتم التعريج على تفسير المراد بذلك، فالشهداء في منازل رفيعة عند ربهم تطمئن ذويهم من ورائهم، فهم في رفق النبيين وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً.

الملائكة تظل الشهداء بأجنحتها
في حديث جابر أعلاه طمأنة أخرى من الرسول، صلى الله عليه وسلم، لذوي الشهيد، فالملائكة تظل الشهداء بأجنحتها، وجاء في شرح الحديث، أن إظلال الملائكة للشهيد عبد الله والد جابر بأجنحتها لاجتماعهم عليه، وتزاحمهم على المبادرة بصعود روحه، رضي الله تعالى عنه، وتبشيره بما أعد الله له من الكرامة، أو أنهم أظلوه من الحر؛ لئلا يتغير، أو لأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله. (عمدة القاري، 8/17- 18)
والملاحظ في هذا الحديث أيضاً أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يحرم البكاء على الشهيد، فبعض الحاضرين من الصحابة، رضي الله عنهم، نهوا جابراً عن البكاء على والده الشهيد، غير أن النبي، صلى الله عليه وسلم، شاهده يبكي إلا أنه لم ينهه عن ذلك، مما يؤكد مشروعية البكاء الهادئ على فقد الأحبة، سواء بالموت أم الشهادة، وهذا ما كان من فعله صلى الله عليه
وسلم لما مات ابنه إبراهيم، وقال: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إلا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: إنا بك لمحزونون)
والحاصل أن هذا الحديث يخبر عن تصرف جابر بن عبد الله، لما أُحضر والده عبد الله شهيداً يوم أحد سنة 3هـ، وكان المشركون مثلوا به، فجدعوا أنفه وأذنيه، والثوب في قوله: (جعلت أكشف الثوب عن وجهه) أعم من أن يكون الثوب الذي سجوه به أو من الكفن، وقوله: (أبكي) جملة وقعت حالاً، وقوله: (وينهوني) أي الحاضرون دون تحديد وصفهم، وفي رواية أخرى أخبر أن الذين نهوه هم قومه، فعنه رضي الله عنهما، قال: (جِيءَ بِأَبِي يوم أُحُدٍ، قد مُثِّلَ بِهِ، حتى وُضِعَ بين يَدَيْ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وقد سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عنه، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عنه، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فقال: من هذه؟ فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو أو أُخْتُ عَمْرٍو، قال: فَلِمَ تَبْكِي؟ أو لا تَبْكِي، فما زَالَتْ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حتى رُفِعَ) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت)
بينما ذكر في رواية أخرى أن الذين نهوه هم الصحابة، رضي الله عنهم، فقال: (فَجَعَلَ أَصْحَابُ النبي، صلى الله عليه وسلم، ينهوني) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب من قُتِل المسلمين يوم أحد)
وهذه الروايات جميعها صحيحة، أخرجها البخاري، رحمه الله، في صحيحه، ولا تعارض بينها، فالذين نهوه عن الكشف عن وجه والده الشهيد هم الحاضرون من قومه، ومن الصحابة، رضي الله عنهم، والمهم أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يزجره عن هذا الفعل، بمعنى أنه أقره عليه، من هنا؛ فإن وداع الشهيد أو الميت من أهله وأصحابه، والبكاء عليه دون عويل ولا صراخ، أمر مشروع، لا إثم فيه، يقول العيني صاحب عمدة القاري: (وفيه جواز البكاء على الميت، ونهي أهل الميت بعضهم بعضاً عن البكاء للرفق بالباكي)، ويضيف أن كلمة (أو) في قوله: (تبكين أو لا تبكين) ليست للشك من الراوي، بل هي من كلام الرسول، صلى الله عليه وسلم، للتسوية بين البكاء وعدمه؛ أي فو الله إن الملائكة تظله، سواء تبكين أم لا، ومعنى هذا أن الشهيد عبد الله والد جابر، مكرم عند الملائكة، عليهم الصلاة والسلام، وقوله: (تبكين) إلى آخره، يعزيها بذلك، ويخبرها بما صار إليه من الفضل، وقوله: (حتى رفعتموه) أي من مغسله؛ لأنه نسب الفعل إلى أصله. (بتصرف عن عمدة القاري، 8/17- 18)

يبشر الثكلى
تم الوقوف في عجالة في ختام حلقة سابقة عند ظاهرة الخنساء، التي خلدت وجودها تلك الشاعرة الراثية المؤمنة المحتسبة الصابرة، وعلى خطاها سارت خنساوات كثيرات، ممن أكرمهن الله عز وجل باستشهاد أبنائهن، فحق لهن أن يرفعن هاماتهن عالياً؛ عزةً وشموخاً وقبولاً لقضاء الله وقدره، مطمئنات بمصير شهدائهن، وعيونهن ترنو لما وعدهن الله من طيب المقام، وعلو المنزلة في جنات عدن؛ تكريماً لأبنائهن الشهداء، ولصبرهن واحتسابهن، كيف لا؟! وقد وعدت الثكلى الصابرة الجنة دون اشتراط أن يكون من ثكلته شهيداً، ففي صحيح البخاري، بَاب فَضْلِ من مَاتَ له وَلَدٌ، فَاحْتَسَبَ، وقال الله عز وجل: وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ، وفيه عن أبي سَعِيدٍ، رضي الله عنه: (أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، اجْعَلْ لنا يَوْمًا، فَوَعَظَهُنَّ، وقال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لها ثَلَاثَةٌ من الْوَلَدِ، كَانُوا حِجَابًا من النَّارِ، قالت امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ؟ قال: وَاثْنَانِ). (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب)
فالثكلى الصابرة المحتسبة يحجبها ولدها من النار، فطوبى لها وحسن مقام.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ من الْوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ، إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ، قال أبو عَبْد اللَّهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا} (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب)
فإذا ما كان هذا جزاء أي ثكلى صابرة محتسبة، فكيف إذا كانت ثكلى بشهيد؟!

الصبر عند الصدمة الأولى
مما يجدر تذكير أمّ الشهيد به، أن أجرها مرهون بصبرها واحتسابها، ولا يكون ذلك منها إلا إن نبع عن إيمان راسخ يملأ قلبها، تستحضره عند مصابها، فتتحلى بالجلد دون عويل، ولا لطم، ولا تمزيق ثياب، فالصبر عند الصدمة الأولى، كما جاء في حديث أَنَسِ بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، قال: (مَرَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فقال: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، قالت: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لم تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، ولم تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لها: إنه النبي، صلى الله عليه وسلم، فَأَتَتْ بَابَ النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فقالت: لم أَعْرِفْكَ، فقال: إنما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى). (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور)
فكم من أمهات الشهداء من نسائنا المعاصرات وبخاصة في وطننا الغالي قدمن الشهداء، وأبدين جلداً قلَّ نظيره، على درب الخنساء، وما أدراك ما الخنساء! فطوبى لهن وحسن مقام، آملين متابعة الوقوف عند مزيد من نفحات طمأنة أم الشهيد في لقاء آخر، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
24 رجب 1438هـ

تاريخ النشر  2017-04-21
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس