.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يطمئن أم الشهيد - الحلقة الثالثة والأخيرة  

==========================================================

 عن سَمُرَةَ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (رأيت اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ، أَتَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لم أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ منها، قالا: أَمَّا هذه الدَّارُ، فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي، وهذا سبيلي)
وقفت الحلقة السابقة عند بعض مثوبة الشهداء التي وعدوها، في سياق طمأنة ذويهم، فالملائكة تظلهم بأجنحتها، وأمهاتهم يحتجبن بهم من نار جهنم، فهنيئاً لهن ولهم، وحديث سمرة أعلاه تضمنه حديث طويل، اقتبس منه هذا المقطع، الذي يصف فيه الرسول، صلى الله عليه وسلم، دَار الشُّهَدَاءِ في الآخرة، التي هي غير دار عامة أهل الجنة من المؤمنين، فلولا تميزها ما خصت بالذكر، ومعلوم أن حقيقة ما فيها وغيرها من موجودات الجنة لا يعلمها إلا الله عز وجل، مصداقاً للحديث القدسي عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (قال الله تعالى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، فاقرؤوا إن شِئْتُمْ: {فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ}) (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة)

جزاء الصابرين على فقد الأحبة
وعد الله الحسنى للذين يصبرون على ما يصيبهم من فقدان الأحبة، ومن ذلك ما جاء في سياق الحث على الاستعانة بالصبر والصلاة، والنهي عن وصف الشهداء بالأموات، فقال جل شأنه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ* وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:153-157) فإذا كان عموم الصابرين المحتسبين عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، فلا ريب أن لذوي الشهداء مثل ذلك وزيادة، لأنهم أهل البواسل، الذين قال فيهم الشاعر وصدق:
يجودُ بالنَّّّفسِ أَنْ ضنَّ الجبانُ بها والجودُ بالنَّفس أقْصَى غاية الجُودِ

استبشار الشهداء بمن بعدهم
الشهداء تسرهم مثوبة إخوانهم وذويهم من بعدهم، مصداقاً لما أخبر الله عنهم، حيث قال تعالى: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران:170)
ومما ورد في تفسير هذه الآية الكريمة، أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه وأهله، وفيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيستبشر بقدومه، كما يستبشر أهل الغائب به، هذا قول السدي، و{هم} في قوله تعالى: {ألا خوف عليهم}
تعود إلى الذين لم يلحقوا بهم، قال الفراء: معناه يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا حزن، وفي ماذا يرتفع الخوف والحزن عنهم فيه قولان: أحدهما، لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم، ولا يحزنون على ما خلفوا من أموالهم، والثاني، لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه، ولا يحزنون على مفارقة الدنيا، فرحاً بالآخرة، يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين. (زاد المسير، 1/502)

أسوتهم الأنبياء
من مكارم الشهداء وفضلهم، أنهم سلكوا درب الأنبياء، في حمل رايات الحق والعز والإباء، فأصابهم ما لحق ببعض الأنبياء من قتل واستشهاد من قبل الطغاة الظالمين، الذين ألزمهم الله الذل والصغار أينما كانوا ووجدوا، مصداقاً لقوله عز وجل: {....وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} (البقرة: 61)، وبشرهم جل في علاه على وجه التبكيت والتقريع بعذاب أليم، فقال جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (آل عمران: 21)
من هنا لم يذكر أحد من صالحي الخلق أنه يرجو الرجوع إلى الدنيا بعد إبصاره مقامه في الجنة إلا الشهيد، فعن أَنَس بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من عَبْدٍ يَمُوتُ له عِنْدَ اللَّهِ، خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا، وَأَنَّ له الدُّنْيَا وما فيها، إلا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى من فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فإنه يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحور العين، وصفتهن يحار فيها الطرف شديدة سواد العين شديدة بياض العين)
حتى إن الشهيد يتمنى تكرار حدث الشهادة لفضلها عليه، (...يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى من الْكَرَامَةِ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا)

غاية الشهداء
الشهداء درجات وأنواع، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (من قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب من قاتل دون ماله)، ويقول: (الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ) (صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في المطعون) لكن أسمى الشهداء من ابتغى إعلاء كلمة الله من جهاده، فعن أبي مُوسَى، رضي الله عنه، قال: (جاء رَجُلٌ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قال: من قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)
فتحديد الغايات أمر مهم ولازم في الأعمال جميعها، والتي من أهمها العمل لله وفي سبيله، من هنا جاء التنبيه تلو التنبيه للتأكيد على سلامة النوايا والمقاصد، ومن الشواهد الأخرى لذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: (انْتَدَبَ الله عز وجل لِمَنْ خَرَجَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إلا إِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ من أَجْرٍ أو غَنِيمَةٍ، أو أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، ...) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الجهاد من الإيمان)، فينبغي التدبر ملياً في اشتراط الإيمان بالله وبرسله؛ لنيل ما أعد الله للشهداء من مثوبة وأجر، وحسن مقام.

دماء الشهداء ورائحة المسك
من خواص الشهداء أن دماءهم الزكية التي أريقت في الدنيا، تأتي تعبق برائحة المسك يوم القيامة، لذلك لا غرابة أن يتمنى الرسول، صلى الله عليه وسلم، الشهادة في سبيل الله، ويحرص على المشاركة في سلوك أسبابها، رغم مقامه العلي، وهو القائل: (...وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده، ما من كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبِيلِ اللَّهِ إلا جاء يوم الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حين كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده؛ لَوْلا أَنْ يَشُقَّ على المُسْلِمِينَ ما قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لا أَجِدُ سَعَةً
فَأَحْمِلَهُمْ، ولا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عليهم أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ) (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله)
بل الرسول، صلى الله عليه وسلم، أعلن شهادته على الشهداء يوم القيامة، قال ذلك عند دفن شهداء أحد، فعن جَابِر بن عبد اللَّهِ، رضي الله عنهما، أخبره أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (كان يَجْمَعُ بين الرَّجُلَيْنِ من قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يقول: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فإذا أُشِيرَ له إلى أَحَدٍ قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، وقال: أنا شَهِيدٌ على هَؤُلاءِ يوم الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، ولم يُصَلِّ عليهم ولم يُغَسَّلُوا) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد) وقوله: (أنا شهيد على هؤلاء): أي أشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم لله تعالى. (عمدة القاري، 8/153)
فمن يرتقي شهيداً يفوز بخواص جعلها الله له دون سواه، فهو حي عند ربه يرزق، ورائحة دمه مسك، يستبشر بلقاء أحبته الذين بقوا بعده ينافحون عن دينهم وحقوقهم المشروعة، ولا يتمنى أحد من أهل الجنة العودة إلى الدنيا من الآخرة سواه.
فهذه بعض المطمئنات لأمهات الشهداء، سيق التذكير بها بالاستناد إلى الأدلة الشرعية اليقينية، عسى أن يساهم مثل هذا التذكير في بلسمة الجراح، وتعزيز الإيمان بمنازل الشهداء وذويهم عند ربهم، فهم في عليين، لا خوف عليهم ولا يحزنون، فطوبى لهم ولأمهاتهم وآبائهم الصابرين المحتسبين، طوبى لهم وحسن مقام، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
1 شعبان 1438هـ

تاريخ النشر  2017-04-28
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس