.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يطمئن أم الشهيد - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن حُمَيْدٍ قال: سمعت أَنَسًا، رضي الله عنه، يقول: (أُصِيبَ حَارِثَةُ يوم بَدْرٍ، وهو غُلامٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُنْ في الجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تكُ الأُخْرَى تَرَى ما أَصْنَعُ، فقال: وَيْحَكِ، أو هبلت؟! أو جنة وَاحِدَةٌ هِيَ؟! إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ في جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً)
بشرى نيل الشهداء الجنة، وردت في هذا الحديث الشريف على لسان النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، خلال حوار دار بينه وبين أم حارثة، التي فقدت فلذة كبدها حارثة يوم بدر، وكأي أم يعتصرها الألم على فقدان ابنها، وتحزن لذلك، حتى إن النبي، صلى الله عليه وسلم، دمعت عيناه كوالد لما توفي ولده إبراهيم، وقال: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إلا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: إنا بك لمحزونون)
وأم حارثة عبرت بصريح العبارة عن ألم الثكل، لكن ما واساها، وخفف من شدة حزنها، الطمأنة الحقيقية التي لقيتها من الرسول، صلى الله عليه وسلم، حول مصير ابنها، في الدار الباقية، فهو في الفردوس الأعلى من الجنة، تلك المنزلة التي أُوصي المؤمنون بأن يسألوها، فعن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (من آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كان حَقًّا على اللَّهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أو جَلَسَ في أَرْضِهِ التي وُلِدَ فيها، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَفَلا نُنَبِّئُ الناس بِذَلِكَ، قال: إِنَّ في الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ ما بَيْنَهُمَا كما بين السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فإنه أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرحمن، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء) (هود: 7) (وهو رب العرش العظيم) (التوبة: 129)

أحياء عند ربهم يرزقون
من جزاء الشهداء المميز، أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، حيث نهى الله جلَّ في علاه عن وصف الشهداء بالأموات، فقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} (البقرة: 154)
قيل: إن سبب نزول هذه الآية الكريمة أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد، مات فلان، ومات فلان، فكره الله أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضاً فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم، فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين، لا محزوناً لهم، ويبين ذلك من حديث أم حارثة أعلاه،
والفرق بين الشهيد وغيره، إنما هو الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم. (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 1/227) ومع هذا الذي قيل في سبب النزول، فإن دلالة الآية الكريمة تعم من نزلت بشأنهم، وغيرهم ممن شابههم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فنزلت هذه الآية مبينة لمنزلة الشهداء عند الله، وتسلية لأقاربهم، ولا يخصها نزولها فيهم، بل حكمها على العموم في الشهداء. (التسهيل لعلوم التنزيل، 1/64-65)

أرواح الشهداء في جوف طير
تكرر الحديث عن بقاء الشهداء أحياء عند الله تعالى، في قوله جل شأنه: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169)
وعن مَسْرُوقٍ، قال: (سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ -هو بن مسعود-، عن هذه الآيَةِ {ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قال: أَمَا إِنَّا قد سَأَلْنَا عن ذلك، فقال أَرْوَاحُهُمْ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لها قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ من الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً، فقال: هل تَشْتَهُونَ شيئاً؟ قالوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ من الْجَنَّةِ، حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذلك بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فلما رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا من أَنْ يُسْأَلُوا، قالوا: يا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا في أَجْسَادِنَا، حتى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فلما رَأَى أَنْ ليس لهم حَاجَةٌ تُرِكُوا) (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون)
وشتان بين الأحياء والأموات، إذ الفرق بينهما شاسع، والبون بينهما عميق، ولا يختلف اثنان في حقيقة تميز الحياة على الموت، حتى إن الله جل شأنه ضرب بهما المثل، عند الحديث عن الفرق بين المؤمن والكافر، وبين العالم والجاهل، فقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} (فاطر: 22) قال ابن قتيبة: الأحياء العقلاء والأموات الجهال، قال قتادة: هذه كلها أمثال؛ أي كما لا تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. (تفسير القرطبي ج14/ص340) وهكذا أيضاً لا يستوي من فارق الحياة الدنيا إلى ممات انتظاراً للبعث والحشر والحساب، وبين من فارقها إلى حياة وأرزاق، كما في حال الشهيد، الذي قتل في سبيل الله.

منازل مطمئنة
طوبى للشهداء منازلهم الكريمة عند ربهم، وهنيئاً لك أم الشهيد، ولك والد الشهيد، ولكم ذوي الشهيد، هذا المقام، وتلك المنازل التي حظي بها فقيدكم وحبيبكم، فهي جنان، والشهيد كحارثة في الفردوس الأعلى منها، من هنا لا عجب ما يشاهد من سكينة أم الشهيد ووقارها، رغم الحزن الذي انتابها لفراق مهجة قلبها، فهي تبدي جلداً، حاشا أن يكون نابعاً عن قسوة قلب أو جفائه، وإنما اكتسبته من يقينها بالأمر الموعود، الذي أعده الله للشهداء، من هنا كان تركيز أم حارثة على معرفة مصيره في الآخرة، ولو لم تكن الجنة داره، لاجتهدت في البكاء والعويل عليه، كما قالت: ( يا رَسُولَ اللَّهِ، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُنْ في الْجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تكن الأُخْرَى تَرَى ما أَصْنَعُ)
وهكذا أمهات الشهداء اللواتي لحقن أم حارثة، يصبرن ويحتسبن، لإيمانهن بأن فلذات أكبادهن الشهداء في جنة عرضها السماوات والأرض، مع الذين أنعم الله عليهم، مصداقاً لوعده عز وجل المتضمن في قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} (النساء: 69) فالشهداء مع النخبة المميزة، يرافقون النبيين وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً، وأنعم به من رفق، وأنعم به من مصير، ولما يستقر في القلوب الإيمان بهذه الوعود الربانية الحقة، تجد أصحابها يعبرون عن رصانة وطمأنينة قل نظيرها، وهم يواجهون مصيبة فراق الأحبة، لكن عزاءهم، أنهم شهداء عند ربهم يرزقون.

الخنساء ظاهرة تتكرر
من الشواهد التاريخية الواقعية المصداقة، من سلف الأمة التي أضحت مثلاً ونبراساً لخلفها، على هذا الصعيد، ذاك الانقلاب في المواقف الإيمانية عنها في الجاهلية، والتي مثلتها خير تمثيل الشاعرة العربية المسلمة الخنساء -تماضر بنت عمرو- التي بكت أخاها صخراً بشعر شديد الوقع، مليء الأسى والحزن، حتى إنها اشتهرت بشاعرة الرثاء، وكان من بين ما قالت فيه:
يؤرقُني التّذكرُ حيَن أُمْسي فأصبحُ قد بليتُ بفَرْط نُكْسِ
على صَخرٍ، وأي فتى كصخرٍ ليَومِ كريهَةٍ وطعان حلس
فلم أر مثله رزءاً لجنًّ ولم أرَ مثلَهُ رزءاً لإنس
يذكرني طلوعُ الشمسِ صخراً وأذكُرهُ لكلِ غروبِ شمسِ
ونعتته بكثير من الشعر الذي يتعذر ذكره لضيق المقام، لكنها بعد أن أسلمت استشهد أولادها الأربعة في معركة القادسية سنة 16هـ فقالت لما بلغها خبر استشهادهم: "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة".
فهنيئاً لمن أكرمه الله بالشهادة، وهنيئاً لذويه وبالأخص أمه وأبيه، صبرهم واحتسابهم ومقام شهيدهم عند ربه، ومنازلهم كذلك في قلوب المخلصين من أمتهم، وعند المليك المقتدر، آملين متابعة الوقوف عند مزيد من نفحات طمأنة أم الشهيد في لقاء آخر، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

تاريخ النشر  2017-04-07
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس