.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يشجع على إنظار المعسر - الحلقة الثانية والأخيرة

==========================================================

 شواهد أخرى لثمرات التجاوز عن المعسر
عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (كان رَجُلٌ يُدَايِنُ الناس، فَكَانَ يقول لِفَتَاهُ: إذا أَتَيْتَ مُعْسِرًا، فَتَجَاوَزْ عنه، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ، فَتَجَاوَزَ عنه)(صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر)
تم الوقوف في الحلقة السابقة عند نجاة الميسرين على المعسرين من كرب يوم القيامة، الذي تكون فيه أهوال عظيمة، وكرب شديد ينتاب الناس، حسب الوارد بالخصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وإذا حظي منفس كرب الناس بمنحة تفرج كربه يوم القيامة، فإن إمهال المعسر أو العفو عنه، حالة مهمة، وخاصة من حالات التنفيس العام للكروب التي يحصل من يفعلها على هذه المنحة الربانية الكريمة، فالذي يسره أن يفوز بالنجاة من كرب يوم القيامة، فعليه بأمر يقدر عليه في دنياه إن كان من أصحاب اليد العليا، التي تقرض أصحاب الحاجات والمعوزين من الناس، وذلك بالتجاوز عن المدين الذي استدان ليقضي، لكنه عجز عن الوفاء، لعسر انتابه، فإمهاله حتى تتيسر أموره فضيلة، والأفضل منه العفو عنه ومسامحته، مما يفتح له باب فرج يفرحه، ويقلل همه، ويحل أزمته، والله في المقابل يجازي صاحب هذا الكرم بكرم أكبر، حيث وعد المتجاوز عن حقه حسبة لله تعالى بأن يفرج عنه كرب يوم القيامة، التي ستكون مذهلة وصعبة.

منهج الميسرين للناس
المعسر هو الذي تضطره الظروف لمكابدة العيش، والوقوع في أنفاق الضيق والحاجة، والتيسير يخالف التعسير، فمن كان له عند أناس حق واجب السداد، وعجزوا عن الالتزام بواجبهم نحوه، لأسباب قاهرة، لأن الرياح تجري أحياناً على غير ما تشتهي السفن، فبعض الناس يخططون لأداء واجبات لزمتهم، ويجدولون برامجهم وحساباتهم، لكنهم يصدمون بعقبات تحول دون ذلك، وما أكثر تلك العقبات، وما أكثر صورها وأشكالها، وهنا تأتي المكارم من أصحاب الجود والأخلاق النبيلة، الذين حين يدركون أن هناك عجزاً حقيقياً أعاق الملتزم لهم بدينه، يمهلونه إلى ميسرة، وتلك مكرمة حث على التحلي بها القرآن الكريم ونبيه الكريم، عليه الصلاة والسلام، وأخذ بها الخيرون من السلف الصالح، الذين كان منهم الرجل المشار إليه في الحديث الشريف أعلاه، والذي كان يأمر فتاه ومحصل ديونه وجابيها بأن يتجاوز عن المعسرين، حرصاً منه على أن ينال من الله مكرمة التجاوز عن ذنوبه، ومَن من الناس بلا ذنوب إلا من عصم الله؟! فحقق الله لهذا المتجاوز أمنيته وتجاوز عنه.
وهناك روايات صحيحة عديدة تعاضد مضمون هذا الخبر الصحيح، منها ما رواه حُذَيْفَة، عن النبي، عليه الصلاة والسلام: (أَنَّ رَجُلًا مَاتَ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ له: ما كُنْتَ تَعْمَلُ؟- قال: فَإِمَّا ذَكَرَ وَإِمَّا ذُكِّرَ- فقال: إني كنت أُبَايِعُ الناس، فَكُنْتُ أُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأَتَجَوَّزُ في السِّكَّةِ، أو في النَّقْدِ، فَغُفِرَ له، فقال أبو مَسْعُودٍ: (وأنا سَمِعْتُهُ من رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم)(صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب في فضل إنظار المعسر)
وعن رِبْعِيِّ بن حِرَاشٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُمْ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (تَلَقَّتْ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كان قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ من الْخَيْرِ شيئا؟ قال: لَا، قالوا: تَذَكَّرْ، قال: كنت أُدَايِنُ الناس، فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عن الْمُوسِرِ، قال: قال الله عز وجل: تَجَوَّزُوا عنه)( صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب في فضل إنظار المعسر)
وعن عبد اللَّهِ بن أبي قَتَادَةَ: (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا له، فَتَوَارَى عنه، ثُمَّ وَجَدَهُ، فقال: (إني مُعْسِرٌ، فقال: آللَّهِ، قال: آللَّهِ، قال: فَإِنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: من سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ الله من كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عن مُعْسِرٍ، أو يَضَعْ عنه) (صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب في فضل إنظار المعسر)

العمل على تجنب الوقوع في الإعسار
انطلاقاً من منهج الإسلام المتسم بالتوازن في تشريعه وأحكامه، فإنه إلى جانب نهيه عن المماطلة والتسويف في أداء الديون، شجع الدائنين على التجاوز عن المدينين أو إنظارهم إلى وقت يسر، وأيضاً هنا أمر بتجنب دواعي الإعسار قدر الإمكان، فحث على العمل، وبين أن أطيب الكسب هو الذي يكون من ثمار عمل اليد، فعن أبي هُرَيْرَة، رضي الله عنه، يقول: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لَأَنْ يَحْتَطِبَ أحدكم حُزْمَةً على ظَهْرِهِ، خَيْرٌ من أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أو يَمْنَعَهُ)(صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب بيع الحطب والكلأ)
وحث على تجنب الإسراف والتبذير، قال تعالى: {...وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام: 141)، وقال سبحانه: {...وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف:31)، وقال عز وجل: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} (الإسراء: 26)
وحثَّ الإسلام على السماحة في القضاء والاقتضاء، فقال صلى الله عليه وسلم: (رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إذا بَاعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَى)(صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقاً فليطلبه في عفاف)
فرج الله عنا وعن مفرجي كرب المكروبين كرب يوم الدين، ويسر الله للمعسرين ما يفرج عنهم إعسارهم، ويحفظ ماء وجوههم وصلى الله وسلم على نبينا الهادي محمد، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 ربيع الآخر 1441هـ

تاريخ النشر  2019-12-06
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس