.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يشجع على إنظار المعسر - الحلقة الأولى

==========================================================

 عن عبد اللَّهِ بن أبي قَتَادَةَ: (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا له، فَتَوَارَى عنه، ثُمَّ وَجَدَهُ، فقال: إني مُعْسِرٌ، فقال: آللَّهِ؟ قال: آللَّهِ، قال: فَإِنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: من سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ الله من كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عن مُعْسِرٍ، أو يَضَعْ عنه)(صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر)
الناس في مستوى المعيشة والقدرات المالية درجات، فمنهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم مستور الحال، وعادة ما يحتاج بعض الناس إلى مساعدة آخرين، وهنا يحدث الإقراض والاقتراض، والإسلام أجاز القرض الحسن الذي يلتزم المقترض فيه بأداء ما اقترض دون زيادة عليه، من باب أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا محرم، وأطول آية في القرآن هي الآية 282 من سورة البقرة، والتي تناولت إجراءات تتعلق بالدين، وتوثيقه.

نجاة الممهل من كرب يوم القيامة
الحديث الشريف أعلاه، يتعلق بجانب أخلاقي وديني ومعاشي متصل بطرفي الاستدانة، فالمدين يأخذ ليسد للدائن حقه، وسبق التذكير بواجب المدين تجاه السداد، فحرمت عليه المماطلة، واعتبرت ظلماً إن صدرت من قادر على الوفاء والسداد، وفي المقابل؛ فإن الدائن مدعو إلى التنفيس عن المعسر بتأجيل مطالبته بالدين المستحق عليه، ويبلغ منزلة أبلغ وأرفع حين يعفو عنه، ويتنازل عن الحق الواجب له عليه، حسبة لله تعالى، وقد بدأ عليه الصلاة والسلام خطابه التشجيعي بقوله: (من سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ الله من كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وأي عاقل يؤمن بما سيكون يوم القيامة يفوت فرصة الحصول على النجاة من كرب يوم القيامة، الذي من أهواله الأولى صعق المخلوقات، ثم بعثهم للحشر والحساب، كما جاء في قوله عز وجل: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}(الزمر: 68)، ويصف الله حال الناس في هذا اليوم العظيم، وهم يواجهون أهواله فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}(الحج:1-2)
وفي السنة النبوية أخبار عديدة عن أهوال يوم القيامة، فرسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، قالت عَائِشَةُ: فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فقال: الْأَمْرُ أَشَدُّ من أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف الحشر)

الذين تفرج كربهم يوم القيامة
سالكو درب تفريج عموم كروب المكروبين في الدنيا، يفرج الله كربهم يوم القيامة، فرسُول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، ولا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كان في حَاجَةِ أَخِيهِ، كان الله في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عنه كُرْبَةً من كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله يوم الْقِيَامَةِ)(صحيح البخاري)، واستخدم في هذا الحديث لفظ (فرج) للتعبير عن أداء مهمة جليلة للمعسر، وفي رواية أخرى استخدم لفظ (نفس) مضافاً إليه تخصيص التيسير عن المعسر بالذكر، فقال صلى الله عليه وسلم: (من نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً من كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عليه في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ ما كان الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ...)(صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر)
يقول النووي بأن هذا الحديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، ومعنى نفس الكربة أزالها، وفيه فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين، وفضل إنظار المعسر.(صحيح مسلم بشرح النووي، 17/21)


الدعوة القرآنية لإمهال المعسر
يتماشى الحث على إمهال المعسرين الوارد في الأحاديث الشريفة آنفة الذكر، مع التوجيه القرآني في قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة: 280)، ومما يدعو إلى التدبر، وإمعان النظر أن هذه الآية القرآنية توسطت الآيات التي حرمت الربا، وشنت حرباً عليه، وبَيْن آية الدين، فبدلاً من اللجوء إلى زيادة أعباء المدين المعسر بفرض زيادات ربوية عليه عند عجزه عن السداد، فإن الله عز وجل حثَّ على إمهال المعسر، وعبرت الآية الكريمة عن التجاوز عن الدين المستحق عن عجز المدين عن سداده بالتصدق، إضافة إلى وعد بالجزاء بالخير لمن يفعل هذا التصدق، والحديث المذكور ينسجم تماماً مع هذا المضمون لهذه الآية القرآنية الكريمة.
سائلين الله العلي القدير أن يفرج كرب المكروبين، وأن يجزي أصحاب الأيادي البيضاء العافين منظري المعسرين والعافين عنهم، خير الجزاء، الذي نرجو أن نوفق لمتابعة الحديث عنه في الحلقة القادمة، في ضوء ما جاء في سنة نبينا الهادي محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 ربيع الآخر 1441هـ

تاريخ النشر  2019-11-29
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس