.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يسن صيام الستة من شوال

==========================================================

 عن أبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (من صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا من شَوَّالٍ، كان كَصِيَامِ الدَّهْرِ)(صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة من شوال اتباعاً لرمضان)
عبادة الله لا تقتصر على مواسم معينة، ولا تنحصر بأشكال محددة، بل هي مطلوبة من الخلق في شأنهم كله، مصداقاً لقوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات: 56)، فالصيام مثلاً فرضه الله على المسلمين في شهر رمضان، فإذا ما انتهى الشهر، وجب التعبد إلى الله تعالى بفطر يوم العيد، ويحرم لأي كان التنطع بصيامه مثلما حرم الفطر في أيام رمضان التي سبقته، فعن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، رضي الله عنه، قال: (هَذَانِ يَوْمَانِ نهى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عن صِيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُمْ من صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فيه من نُسُكِكُمْ)(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم الفطر)
ومن الأحكام الشرعية التي تنبغي مراعاتها لمن يصوم الست من شوال، الانتباه إلى أنها مستقلة عن صوم رمضان، ولا تعتبر جزءاً منه، فتركها لا يخل بصومه، وصومها يكون منفصلاً عنه بالعيد، وهلال الشهر الجديد، وحكم صومها السنة أو الاستحباب، ولا يصل درجة الوجوب، إلا إذا اقترن بملزم من نذر أو يمين، أو قضاء.
ومن صام الست من شوال في عام، لا يُلزم بها في الأعوام التالية، بل يبقى مخيراً في صومها، أو التخلف عن فعل ذلك، لا كما يظن بعض الناس من أنه إن صامها لزمه صومها كل عام، مع التأكيد على أن من يصومها، ويحافظ على ذلك أفضل ممن يتركها، من حيث نيل الأجر والثواب، فأفضل الأعمال أدومها.

متى تصام الست من شوال؟
بالنسبة إلى كيفية صيام الست من شوال، ومتى تصام فيه، فيجوز البدء بصومها في اليوم التالي ليوم عيد الفطر؛ أي من ثاني أيام شوال وحتى نهايته، ويجوز أن تصام متتالية، أو متفرقة، ولا بأس فيما يفعله بعض الناس من حرص على أدائها أيام الإثنين والخميس من شهر شوال، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، ذكر في سياق التشجيع على صومها حرف "من" دون تقييد بأول الشهر أو وسطه أو آخره، ودون تحديد تتابع أو تفريق، أو أيام مخصوصة من الشهر، فتجوز أن تؤدى بناء على ذلك في أي ستة أيام من شهر شوال على الإطلاق، غير أن المسارعة لأدائها أولى، من باب المسارعة لفعل الخير المطلق، عملاً بقوله تعالى:{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}(آل عمران: 133)
جاء في صحيح مسلم بشرح النووي أن بعض العلماء استحبوا أن تصام الست متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى أواخره، حصلت فضيلة المتابعة؛ لأنه يصدق أنه أتبعه ستاً من شوال.(صحيح مسلم، بشرح النووي 8/560)
وقوله: (ثم) تفيد الترتيب والتراخي، يعني الترتيب بعد رمضان، والتراخي يعني أن يقع صيامها خلال شوال دون اشتراط الفورية، ولا التتابع في ذلك.

قضاء ما فات مقدم
من كان عليه من المسلمين والمسلمات قضاء أيام أفطرها بعذر المرض أو السفر، أو الحيض أو النفاس، أو غير ذلك من أعذار الفطر في رمضان، فعليه أن يقضيها لاحقاً، لقوله سبحانه وتعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}(البقرة: 184)، فالله لم يحدد أياماً للالتزام بقضاء أيام رمضان فيها، بل قال على وجه الإطلاق، وليس التقييد {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
وقضاء الأيام الفائتة يكون أولاً، قبل الشروع في صيام ستة من شوال؛ وذلك حتى يتحقق في الصائم شرط من صام رمضان، ثم صام ستاً من شوال، فبعض العلماء يشترطون سداد القضاء قبل الشروع في سنة الست من شوال، فالمسارعة في قضاء الدين المستحق، أولى من الانشغال عنه بأداء السنن والنوافل، ففي الحديث القدسي، قال عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ اللَّهَ قال: من عَادَى لي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلي مِمَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلي بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كنت سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بها، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيْءٍ أنا فَاعِلُهُ، تَرَدُّدِي عن نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وأنا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ).(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع)
والصيام على هذا الوجه هو الأفضل لمن أراد نيل الأجر الأكمل، والثواب الأجزل، غير أن من ضاقت به أيام شوال، بحيث لا تعد تتسع للقضاء، والست من شوال، فيجوز له تأخير القضاء، والبدء بالست؛ حتى لا يفوته فضل صيامها، والله تعالى أعلم.
سائلين الله العلي القدير أن يجعلنا ممن يحرصون على أداء الفرائض والسنن والنوافل على الوجه المشروع؛ لننال محبته ورضاه سبحانه، ونفوز بجنة الفردوس، وصلى الله وسلم على رسولنا الأسوة، محمد بن عبد الله، وعلى آله الكرام، وصحابته الأبرار، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
10 شوال 1440هـ

تاريخ النشر  2019-06-14
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس