.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يربط قبول الصيام والمثوبة عليه بسلوك الصائم - الحلقة الثانية والأخيرة

==========================================================

 عن أَبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (قال الله: كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ له، إلا الصِّيَامَ، فإنه لي، وأنا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فلا يَرْفُثْ، ولا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أو قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إني امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إذا أَفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم)
وقفت الحلقة السابقة عند ربط المثوبة على العبادة بسلوك العبد، وذلك ينسجم مع المفهوم الشامل للعبادة، التي بمقتضاها، فإنها لا تقتصر على الشعائر والفرائض والأركان التعبدية، وإنما تشمل كل ما يصدر عن المرء من سلوك يقصد به التقرب إلى الله تعالى، ونيل مثوبته، والتحرز عن مسببات سخطه، والأدلة على ربط العبادة بسلوك العابد كثيرة، منها ممارسة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لسلوك الجود والكرم في رمضان، مما يدل بوضوح على دور عبادة الصيام في تعزيز الإيجابيات في سلوك الصائم، إلى جانب دورها المميز في تعديل السلبيات فيه وإطفائها.

حلم الصائم وأناته
الحديث القدسي أعلاه يركز على دور عبادة الصيام في تعزيز الإيجابيات في سلوك الصائم، وإطفاء السلبيات منه وتعديلها، فالصيام جُنة، أي وقاية، جاء في عمدة القاري، أن قوله: (جُنّة) كل ما ستر، ومنه المجن وهو الترس، ومنه سمي الجن لاستتارهم عن العيون، وإنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بها، وقال عياض: معناه يستر من الآثام، أو من النار، أو بجميع ذلك، وبالأخير قطع النووي.
وقوله: (فلا يرفث) معناه لا يفحش، والمراد من الرفث هنا الكلام الفاحش، ويطلق على الجماع، وعلى مقدماته، وعلى ذكره مع النساء، ويحتمل أن يكون النهي عما هو أعم منها، وقال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم.
وقوله: (فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إني امْرُؤٌ صَائِمٌ) قال الكرماني: أي كلاماً لسانياً ليسمعه الشاتم، والمقاتل فينزجر غالباً، أو كلاماً نفسانياً؛ أي يحدث به نفسه، ليمنعها من مشاتمته، وعند الشافعي يجب الحمل على كلا المعنيين. (بتصرف عن عمدة القاري 10/257- 258)
وقوله: (لا يصخب) فيه نفي الصخب عن سلوك الصائم، وهو بمعنى النهي، يقول ابن حجر العسقلاني: والصخب الخصام والصياح، والمراد بالنهي عن ذلك تأكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهي عن ذلك أيضاً.(فتح الباري 4/118)

تحذير العابد من الإفلاس
الرسول، صلى الله عليه وسلم، ركز على ضرورة العناية بسلوك العابدين، حين حذر من ذهاب أجور الذين يؤدون العبادات الشعائرية ومثوبتهم دون أن يهذبوا سلوكهم، فقال: (أَتَدْرُونَ ما الْمُفْلِسُ؟ قالوا: الْمُفْلِسُ فِينَا من لا دِرْهَمَ له، ولا مَتَاعَ، فقال: إِنَّ الْمُفْلِسَ من أُمَّتِي، يَأْتِي يوم الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قد شَتَمَ هذا، وَقَذَفَ هذا، وَأَكَلَ مَالَ هذا، وَسَفَكَ دَمَ هذا، وَضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا من حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قبل أَنْ يُقْضَى ما عليه، أُخِذَ من خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم)
يقول النووي: معناه أن هذا حقيقة المفلس، وأما من ليس له مال، ومن قل ماله، فالناس يسمونه مفلساً، وليس هو حقيقة المفلس؛ لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث، فهو الهالك الهلاك التام، والمعدوم الإعدام المقطع، فتؤخذ حسناته لغرمائه، فإذا فرغت حسناته، أخذ من سيئاتهم، فوضع عليه، ثم ألقي في النار، فتمت خسارته، وهلاكه، وإفلاسه.(صحيح مسلم بشرح النووي 16/135- 136) فالعبد اليقظ يدرك مآلات الربط بين عبادته وسلوكه العام، فمطلوب عبادات الصلاة والصيام والزكاة والحج، يتقاطع مع مطلوبات تهذيب السلوك، فالعابد يدرك أنه ينبغي أن يكون صادقاً أميناً عفيفاً، صاحب مخبر ومظهر طاهرين نقيين، يعم خيره كل من حوله، ومن وصف المؤمنين الذي نالوه بحسن سلوكهم ما جاء في الذي يقرأ القرآن، حيث شبهه صلى الله عليه وسلم، بالأترجة، والذي لا يقرأه مثله مثل التمرة، فعن أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لها، وَطَعْمُهَا حُلْوٌ...)(صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام)
مما سبق يتضح لكل متدبر عاقل مدى عناية الإسلام بربط العبادة الشعائرية بسلوك العابدين في مناحيه المختلفة، كيف لا؟! والمؤمن شامة بين الناس.
فهذه دلالات شرعية واضحة للارتباط الوثيق بين العبادة وسلوك العابدين، وثمار هذا الارتباط، أعاننا الله على حسن عبادته، على الوجه الذي يرضيه سبحانه، كما أداها نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
19 رمضان 1440هـ

تاريخ النشر  2019-05-24
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس