.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يربط قبول الصيام والمثوبة عليه بسلوك الصائم - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم)
هذا الحديث الشريف كثيراً ما يردده المسلمون، وبخاصة الدعاة، والخطباء، والمدرسون في المساجد وغيرها، ولا ريب أن في استيعاب معاني هذا الحديث وتدبره فوائد عملية تنبغي مراعاتها.
ومعنى هذا الحديث ينسجم مع المفهوم الشامل للعبادة، التي حدد سبحانه غاية خلق الجن والإنس بها، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات: 56)، فالغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، هي عبادته المتضمنة لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.(تفسير السعدي 1/813)

سلوك العابدين
بمقتضى الدلالة الشاملة للعبادة، فإنها لا تقتصر على الشعائر والفرائض والأركان التعبدية، وإنما تتجاوز ذلك، لتشمل كل ما يصدر عن المرء من سلوك يقصد به التقرب إلى الله، ونيل مثوبته، والتحرز عن مسببات سخطه، فالعابد الحق ينسجم بيعه، وشراؤه، وزواجه، وقوله، وعمله في شأنه كله، مع منهج العبادة التي يؤديها وهو يصوم، ويصلي، ويزكي، ويحج، من هنا نبه عليه الصلاة والسلام، إلى خطورة التناقض بين المنهجين، بين الذي يصوم لله، ويعمل الخطايا من أمثال قول الزور، والعمل به، فالله يأمر بعبادته، وهو سبحانه غني عن العالمين، وقد أشار إلى هذه اللفتة سبحانه في مواضع قرآنية عدة، فبيانه للغاية من الخلق حسب آية الذاريات سالفة الذكر، ألحقه بقوله تعالى: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} (الذاريات: 57)، وفي سياق الحديث عن هدي الحج، يقول تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ}(الحج: 37)، فالله لا يريد من خلقة رزقاً، ولا يناله لحوم الهدي الذي يتقربون به إليه، وهو ليس بحاجة إلى جوعهم وعطشهم حين يصومون، وعوضاً عن ذلك يريد الله من عباده أن يتقوه ويعبدوه، وينتهوا عما نهاهم عنه من مثالب السلوك.
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ) مجاز عن عدم الالتفات والقبول، فنفى السبب وأراد المسبب، قال ابن بطال: وضع الحاجة موضع الإرادة؛ إذ الله لا يحتاج إلى شيء، يعني ليس لله إرادة في صيامه، وقال أبو عمر: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وما ذكر معه، قال: فمن اغتاب، أو شهد زوراً أو منكراً، لم يؤمر بأن يدع صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك؛ ليتم له أجر صومه، ثم قوله: (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ) يعني بالذي يصوم بهذا الوصف.(عمدة القاري، 10/276)
ويؤيد هذا المعنى ما رواه أبو هُرَيْرَةَ، إذ قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا الناس؛ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فقال: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا من الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إني بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا من طَيِّبَاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)(صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها)
فأجر العبادة وقبولها يرتبطان جذرياً بحسن سلوك العابد، والله لا يضيع أجر الذين يحسنون العمل، مصداقاً لوعده سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}(الكهف: 30 )

الجود في رمضان
الأدلة على ربط العبادة بسلوك العابد كثيرة، منها على سبيل المثال ممارسة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لسلوك الجود والكرم في رمضان، فكان يبلغ به الحرص عليهما فيه مبلغاً يتميز عن باقي أيام العام، على الرغم من أنه كان جواداً دائماً، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم: أَجْوَدَ الناس بِالخَيْرِ، وكان أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمَضَانَ حين يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكان جِبْرِيلُ، عليه السَّلام، يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ في رَمَضَانَ، حتى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، القُرْآنَ فإذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، عليه السَّلام، كان أَجْوَدَ بِالخَيْرِ من الرِّيحِ المُرْسَلَةِ)(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يكون في رمضان)
فهذا يدل على أن الصيام ينبغي أن يعزز الإيجابيات في سلوك الصائم، إلى جانب دوره المميز في تعديل السلبيات وإطفائها، فهنا كان التعزيز للجود، وفي الحديث السالف، كان الإطفاء لقول الزور، والعمل به، وقس على ذلك ما شابه من السلوك.
فهذه مؤكدات واضحة على الارتباط الوثيق بين العبادة وسلوك العابدين، سائلين الله العلي القدير أن ييسر متابعة الوقوف عند مزيد منها في الحلقة القادمة، وأن يعيننا على أداء العبادة، ومنها الصيام على الوجه الذي يرضيه سبحانه، كما أداها نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 رمضان 1440هـ

تاريخ النشر  2019-05-17
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس