.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يخبر عن القوم الذين لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قال: (خَرَجَ مُعَاوِيَةُ على حَلْقَةٍ في الْمَسْجِدِ، فقال: ما أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، قال: آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ قالوا: والله ما أَجْلَسَنَا إلا ذَاكَ، قال: أَمَا إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وما كان أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي من رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَقَلَّ عنه حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ على حَلْقَةٍ من أَصْحَابِهِ، فقال: ما أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، وَنَحْمَدُهُ على ما هَدَانَا لِلإِسْلامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قال: آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ قالوا: والله ما أَجْلَسَنَا إلا ذَاكَ، قال: أَمَا إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عز وجل يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ) (صحيح مسلم)
تمّ الوقوف في الحلقة السابقة عند وصف القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم، حسب ما ورد في الحديث الصحيح، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فالطوّافون من الملائكة يحفون ذاكري الله بأجنحتهم، والله تعالى أمر المؤمنين بذكره، واعداً إياهم أن يبادلهم الذكر، ويضاعف ثواب أعمالهم كماً وكيفاً، وهذه المضاعفة، بينها الحديث القدسي فيما يخص الذي يذَكَر الله في نَفْسِهِ وفي ملأ ، وفيما يتعلق بالتَقَرَّب إلى الله تعالى شبراً وذِرَاعًا، وإتيانه مشياً، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول الله تَعَالَى: (أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأنا معه إذا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي في ملأ، ذَكَرْتُهُ في ملأ خَيْرٍ منهم، وَإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ شبراً، تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) (صحيح البخاري)
وفي حديث أبي سعيد عن معاوية أعلاه إثبات لفضل آخر من فضائل مجالس الذكر، حيث يباهي الله تعالى بالجالسين في حلقات الذكر ملائكته، ومن شرح هذا الحديث ما جاء في مرقاة المفاتيح، أن قوله: (على حَلْقة) بسكون اللام، وتفتح، أي جماعة متحلقة، (في المسجد) متقابلين على الذكر بالاجتهاد، فقال: (ما أجلسكم؟) أي ما السبب الداعي إلى جلوسكم على هذه الهيئة هنا؟ قالوا: (جلسنا نذكر الله) أي الذي أجلسنا هو غرض الاجتماع على الذكر، قال: (آلله) بالمد والجر، وقيل: الصواب بالجر، حيث همزة الاستفهام وقعت بدلاً عن حرف القسم، ويجب الجر معها، وقيل: الله بالنصب، أي أتقسمون بالله، فحذف الجار وأوصل الفعل، ثم حذف الفعل، (ما أجلسكم إلا ذلك؟) ما هذه نافية، قالوا (آلله) تقديره؛ أي أو نعم، نقسم بالله ما أجلسنا غيره، قال -أي معاوية-: (أما) بالتخفيف للتنبيه، (إني) بالكسر (لم استحلفكم تهمة لكم) أي ما استحلفكم تهمة لكم بالكذب، لكني أردت المتابعة والمشابهة فيما وقع له مع الصحابة، وقدم بيان قربه منه عليه الصلاة والسّلام، وقلة نقله من أحاديثه الشريفة؛ دفعاً لتهمة الكذب عن نفسه فيما ينقله من الكلام، فقال: (وما كان أحد بمنزلتي) أي بمرتبة قربي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ لكونه مَحْرماً لأم حبيبة أخته؛ من أمهات المؤمنين، ولكونه من أجلاء كتبة الوحي، أقل خبر كان عنه؛ أي عن رسول الله، (حديثاً مني) أي لاحتياطي في الحديث، وإلا كان مقتضى منزلته أن يكون كثير الرواية، وقوله:(وإن رسول الله خرج على حلقة من أصحابه) هذا ما سنح لي من حمل الكلام في هذا المقام، وقال الطيبي: أي لم أستحلفكم، ولكن رسول الله خرج، بدليل قوله: (ولكنه أتاني جبريل) وقوله: (وما كان أحد) معترضة بين الاستدراك والمستدرك، يؤذن بأنه لم ينسه، وعبارة (وإن رسول الله) متصلة بقوله: {إني لم أستحلفكم} اتصال الاستدراك بالمستدرك. فقال: (أي النبي، صلى الله عليه وسلم) ما أجلسكم ها هنا؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، (ومَنَّ به) أي بذكره، أو بالإسلام علينا، أي من بين الأنام، كما حكى الله تعالى عن مقول أهل دار السلام:{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إن هدانا الله} (الأعراف: 43)
ورحم الله من قال: لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
قال آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ لعله أراد به الإخلاص، قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم؛ لأنه خلاف حسن الظن بالمؤمنين، ولكنه؛ أي الشأن، وفي نسخة ولكني أتاني جبريل، فأخبرني إن الله عزَّ وجلَّ يباهي بكم الملائكة، نقل بالمعنى، وإلا كان الظاهر بهم، قيل: معنى المباهاة بهم، إن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي هؤلاء، كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم، والشيطان وجنوده، ومع ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية، إلى البطالة وترك العبادة والذكر، فاستحقوا أن يمدحوا أكثر منكم؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه، إنما هي منكم كالتنفس منهم، ففيها غاية الراحة والملاءمة للنفس. (مرقاة المفاتيح، 5/160ـ161)
والحديث أعلاه يركز على أهمية الإخلاص لله تعالى في الذكر والعمل، فقد تم استحلاف المتحلقين للذكر ليقولوا الحقيقة بشأن تجردهم لله في تحلقهم واجتماعهم على ذكره.

الذاكرون الله والذاكرات
وعد الله تعالى أصنافاً من الصالحين، بالحسنى والمغفرة، ومن هؤلاء الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ، فقال جل شأنه:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب: 35)، قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً، وقال عطاء بن أبي رباح: من فوض أمره إلى الله عز وجل، فهو داخل في قوله: {إن المسلمين والمسلمات} ومن أقر بأن الله ربه، ومحمداً رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه، فهو داخل في قوله: {والمؤمنين والمؤمنات} ومن أطاع الله في الفرض، والرسول، صلى الله عليه وسلم، في السنة، فهو داخل في قوله: {والقانتين والقانتات} ومن صان نفسه عن الكذب، فهو داخل في قوله: {والصادقين والصادقات} ومن صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزية، فهو داخل في قوله: {والصابرين والصابرات} ومن صلى فلم يعرف من عن ييمينه، وعن يساره فهو داخل في قوله: {والخاشعين والخاشعات} ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم، فهو داخل في قوله: {والمتصدقين والمتصدقات} ومن صام في كل شهر أيام البيض؛ الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهو داخل في قوله: {والصائمين والصائمات} ومن حفظ فرجه عما لا يحل، فهو داخل في قوله: {والحافظين فروجهم والحافظات} ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها، فهو داخل في قوله: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً. (تفسير البغوي، 3/530)

سَبَقَ المفردون
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَسِيرُ في طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ على جَبَلٍ، يُقَالُ: له جُمْدَانُ، فقال: سِيرُوا هذا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قالوا: وما الْمُفَرِّدُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) (صحيح مسلم)
وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم، وانفردوا عنهم، فبقوا يذكرون الله تعالى. وقال ابن الأعرابي: يقال: فرد الرجل إذا تفقه واعتزل وخلا بمراعاة الأمر والنهى. (شرح النووي على صحيح مسلم، 17/4)
وفي فيض القدير، المنفردون هم المعتزلون عن الناس، من فرد إذا اعتزل، وتخلى للعبادة، فكأنه أفرد نفسه بالتبتل إلى الله؛ أي سبقوا بنيل الزلفى، والعروج إلى الدرجات العلا. (فيض القدير، 4/92)
فهذا بيان آخر لبعض مقام الذاكرين لله عنده جل شأنه، وهم القوم الذين لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، عسى أن نكون منهم، وإلى لقاء آخر مع متابعة الوقوف عند منازل هؤلاء الأخيار، وصلى الله وسلم على النبي محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
15 ربيع الآخر 1438هـ

تاريخ النشر  2017-01-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس