.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يخبر عن القوم الذين لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ - الحلقة الثالثة والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (... وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ من بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلا نَزَلَتْ عليهم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لم يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) (صحيح مسلم)
مواصلة لما تم الحديث عنه في الحلقتين السابقتين بشأن الإخبار عن القوم الذين لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، والذين هم أَهْلَ الذِّكْرِ، ويشمل ذلك أهل الصلاة، وتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، وتدريس العلوم، ومناظرة العلماء، ونحو ذلك، ومما يؤيد هذا المعنى الشامل لأهل الذكر، ما جاء في الحديث الصحيح أعلاه، عن فضل الاجتماع على تدارس القرآن الكريم وتلاوته. (تحفة الأحوذي، 8/215)
فالحديث أعلاه يبين فضل المشي فى طلب العلم، ويلزم من ذلك كما يذكر النووي في شرحه الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وإن كان هذا شرطاً في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به؛ لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس، ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم، ومعنى (نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة)، قيل المراد بالسكينة هنا الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض، وضعف النووي هذا التفسير لعطف الرحمة عليه، وحسّن القول بأن المراد بها الطمأنينة والوقار، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد. (شرح النووي على صحيح مسلم، 17/21)

مؤهلات نيل المقامات الرفيعة
جاء في تحفة الأحوذي أن قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن أبطأ به عمله) من الإبطاء وهو ضد التعجل، والبطوء
نقيض السرعة، والباء للتعدية، والمعنى من أخره عمل عن بلوغ درجة السعادة (لم يسرع به نسبه) من الإسراع؛ أي
لم يقدمه نسبه، يعني لم يجبر نقيصته؛ لكونه نسيباً في قومه؛ إذ لا يحصل التقرب إلى الله تعالى بالنسب، بل بالأعمال الصالحه؛ والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)، وشاهد ذلك أن أكثر علماء السلف والخلف، لا أنساب لهم يتفاخر بها، بل كثير منهم موال، ومع ذلك هم سادات الأمة، وينابيع الرحمة، وذوو الأنساب العليّة الذين ليسوا كذلك في مواطن جهلهم نسياً منسياً، ويذكر عن ابن الصلاح أنه روى في مقدمته عن الزهري، قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قال: قلت طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم الموالي؟ قال: قلت من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال: قلت الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي، قال: فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم الموالي؟ قال: قلت من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرجّت عني، والله ليسودن الموالي على العرب، حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها، قال: قلت يا أمير المؤمنين، إذا هو أمر الله ودينه، من حفظه ساده، ومن ضيعه سقط. (تحفة الأحوذي، 8/215-217)
فالارتقاء الحقيقي لا يكون بالأنساب والثروات بقدر ما يكون بالعلم والتقوى وحسن الخلق، فمن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه.
والملائكة تحف المجتمعين في المساجد على تلاوة القرآن وتدارسه، وتتغشاهم الرحمة، وتتنزل عليهم الطمأنينة، وينعمون بحلي الوقار، إضافة إلى تمتعهم بفضيلة ذكرهم من قبل رب البرية سبحانه فيمن عنده، وأي فضل أرفع من هذه المكارم التي يتفضل الله بها على ذاكريه في مجالس العلم والتلاوة والذكر، وهي المجالس التي ينتفع من خيراتها الجالسون فيها، حتى إن زائريها ينالهم من فضل النعيم الذي يثاب به ذاكروا الله فيها، تمشياً مع المبدأ الذي أرساه النبي، صلى الله عليه وسلم، بقوله: (هم القوم الذين لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ).

كَيْفَ تكْسِبُ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟
الناس يحرصون على نيل المزيد من المكاسب والخيرات، بل إن ذلك طبعاً فطروا عليه، فعن عَطَاء، يقول: سمعت ابن
عَبَّاسٍ يقول: سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لو أَنَّ لابن آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالًا، لَأَحَبَّ أَنَّ له إليه مثله، ولا
يَمْلَأُ عَيْنَ بن آدَمَ، إلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ الله على من تَابَ) (صحيح البخاري)
وأمام هذا الجانب الفطري المتعلق بحب المال، تأتي العروض المجزية والمشجعة لطالبي الحسنى والمثوبة، فالله تتضاعف عنده الحسنات، ويجزل لخلقه العطاء، ومن ذلك تفضله سبحانه بمضاعفة حسنات الذكر والتسبيح، كما جاء في الحديث الصحيح عن مُصْعَبِ بن سَعْدٍ، قال: (كنا عِنْدَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال: (أَيَعْجِزُ أحدكم أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ، فَسَأَلَهُ سَائِلٌ من جُلَسَائِهِ، كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قال: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ له أَلْفُ حَسَنَةٍ، أو يُحَطُّ عنه أَلْفُ خَطِيئَةٍ) (صحيح مسلم)، فحسنات الذكر تتضاعف عشرات المرات، فهي وربي تجارة رابحة لا يتهددها الكساد، فالذاكرون المسبحون تتفتح أمامهم آفاق رحبة للحسنات، فهم الذين يذكرهم الله، ويرحمهم، ولا يشقى جليسهم، وهم في نهاية المطاف الفائزون بجنة الرضوان، فالكيس الذي يسعى إلى مضاعفة أجره عند ربه، والله تعالى يقول: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}(الكهف: 46)

وزر المُعرِض عن الله تعالى
بخلاف الذاكرين الذين يبادلهم الله الذكر وأحسن، فإن المعرضين عن الذكر الغافلين عن الله، يتوعدهم الله بالسخط.
فعن أبي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَمَا هو جَالِسٌ في الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ معه إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قال: فَوَقَفَا على رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَرَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ، فَجَلَسَ فيها، وَأَمَّا الْآخَرُ، فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ، فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فلما فَرَغَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: ألا أُخْبِرُكُمْ عن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا أَحَدُهُمْ، فَأَوَى إلى اللَّهِ، فَآوَاهُ الله، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا الله منه، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ الله عنه). (صحيح البخاري)
وقد حذر الله تعالى من الانقياد وراء الغافلين عن ذكره سبحانه، في مقابل الحث على مرافقة الذاكرين الله الداعين إليه بالغداة والعشي، فقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}. (الكهف: 28)
فهذا بيان ختامي لبعض مقام الذاكرين لله عنده جل شأنه، وهم القوم الذين لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، عسى أن ينفع الله متدبريه بما يعزز استقامتهم ودوام ذكرهم لله تعالى، وصلى الله وسلم على النبي محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
22 ربيع الآخر 1438هـ

تاريخ النشر  2017-01-20
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس