.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يخبر عن القوم الذين لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا، هَلُمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ، قال فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قال: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وهو أَعْلَمُ منهم ما يقول عِبَادِي، قال: تقول يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قال: فيقول: هل رَأَوْنِي، قال: فَيَقُولُونَ لَا والله ما رَأَوْكَ، قال: فيقول: وَكَيْفَ لو رَأَوْنِي؟ قال: يَقُولُونَ لو رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لك عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لك تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لك تَسْبِيحًا، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قال: يقول: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ لَا والله، يا رَبِّ ما رَأَوْهَا، قال: يقول: فَكَيْفَ لو أَنَّهُمْ رَأَوْهَا، قال: يَقُولُونَ لو أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عليها حِرْصًا، وَأَشَدَّ لها طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فيها رَغْبَةً، قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قال: يَقُولُونَ: من النَّارِ، قال يقول: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَا والله يا رَبِّ ما رَأَوْهَا، قال: يقول: فَكَيْفَ لو رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ لو رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ منها فِرَارًا، وَأَشَدَّ لها مَخَافَةً، قال، فيقول: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قد غَفَرْتُ لهم، قال: يقول مَلَكٌ من الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ ليس منهم إنما جاء لِحَاجَةٍ، قال: هُمْ الْجُلَسَاءُ لا يشقى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) (صحيح البخاري)
تصوير رائع في هذا الحديث الشريف لعظمة الرحمة الربانية، وسعة نطاق الكرم الرباني، مما يبعث على إبقاء نور الأمل مشعاً في القلوب المؤمنة، دون أن تطفئه ظلمات الخطايا ولا قسوة الابتلاءات، فالطوافون من الملائكة يحفون ذاكري الله بأجنحتهم، لا ليسترقوا سمع عوراتهم، ولا لنقل هناتهم، وتتبع عثراتهم، وإنما يبثون تكبيرهم وحمدهم وتمجيدهم لربهم، والحوار الذي يتم بين الملائكة والله عز وجل حول هذا الموضوع، يظهر أن ما عند الله خير مما يعتقد المؤمنون، سواء بالنسبة لذاته وجلاله أم عن كرمه وإحسانه وجنته وخيراته، حتى إنه سبحانه يجود كرماً لمجالس الذاكرين فيشمله بعفوه وغفرانه، وذلك جزء من تكريم الذاكرين، فهم عنده الْجُلَسَاءُ الذين لا يشقى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ.
وفي رواية لمسلم، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا، يتبعون مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا مَجْلِسًا فيه ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حتى يملؤا ما بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فإذا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إلى السَّمَاءِ، قال: فَيَسْأَلُهُمْ الله عز وجل وهو أَعْلَمُ بِهِمْ، من أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا من عِنْدِ عِبَادٍ لك في الأرض، يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ، قال: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قالوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قال: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لَا أَيْ رَبِّ، قال: فَكَيْفَ لو رَأَوْا جَنَّتِي، قالوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قال: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قالوا: من نَارِكَ يا رَبِّ، قال: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: لا، قال: فَكَيْفَ لو رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قال: فيقول قد غَفَرْتُ لهم، فَأَعْطَيْتُهُمْ ما سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قال: فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إنما مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قال: فيقول: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمْ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) (صحيح مسلم)
وفي عمدة القاري، أن قوله أهل الذكر يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، وتلاوة الحديث، وتدريس العلوم، ومناظرة العلماء ونحوها، قوله: فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله في رواية مسلم، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكره، وقوله: فيسألهم ربهم، أي فيسأل الملائكة ربهم، وهو أعلم أي والحال أنه أعلم منهم؛ أي من الملائكة، ووجه هذا السؤال الإظهار للملائكة أن في بني آدم المسبحين والمقدسين، وفي مسلم يقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم وزاد، قال: فيقول: وله قد غفرت. (عمدة القاري، 23/28)

فوائد من هذا الحديث ولطائف
في تحفة الأحوذي شرح الطيبي لقوله: (هم القوم) فقال: إن تعريف الخبر يدل على الكمال؛ أي هم القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة، (لا يشقى) أي لا يصير شقياً لهم، وفي بعض النسخ (بهم) أي بسببهم وببركتهم، (جليس) أي مجالسهم، وهذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضى لكونهم أهل الكمال.
وفيها أن في الحديث فضلَ مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل تعالى به عليهم، إكراماً لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر.
وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتنائهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر من السائل، وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول، لإظهار العناية بالمسئول عنه والتنويه بقدره، والإعلان بشرف منزلته، وقيل: إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} فكأنه قيل: انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان، وكيف عالجوا ذلك، وضاهوكم في التقديس والتسبيح، كذا في الفتح فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ على ذِّكْرِ الله تعالى. (تحفة الأحوذي ج10/ص44)

ثناء الله على أهل ذكره
أمر الله المؤمنين بذكره، واعداً إياهم أن يبادلهم الذكر، فقال جل شأنه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} (البقرة: 152)، وفي الحديث القدسي الصحيح بيان لمنازل الذاكرين عند الله عز وجل، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول الله تَعَالَى: (أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأنا معه إذا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي في ملأ، ذَكَرْتُهُ في ملأ خَيْرٍ منهم، وَإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ شبراً، تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) (صحيح البخاري)
وفي عمدة القاري، أن قوله: (أنا عند ظن عبدي بي) يعني إن ظن أني أعفو عنه، وأغفر له، فله ذلك، وإن ظن العقوبة والمؤاخذة فكذلك، ويقال: إن كان فيه شيء من الرجاء رجاه؛ لأنه لا يرجو إلاَّ مؤمن بأن له ربّاً يجازي، ويقال: إني قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامله به، وقال الكرماني: وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف، وقوله: (وأنا معه) أي بالعلم، إذ هو منزه عن المكان، وقيل: أنا معه بحسب ما قصد من ذكره لي، وقوله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) يعني إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرّاً، ذكرته بالثواب والرحمة سرّاً، وقيل: معناه إن ذكرني بالتعظيم أذكره بالإنعام، وقوله: (وإن ذكرني في ملأ) أي في جماعة، ذكرته في ملأ خير منهم، يعني الملائكة المقربين، وقوله: (وإن تقرب إليّ بشبر) وفي رواية (شبراً) بالنصب، أي مقدار شبر، وكذلك تقدير ذراعاً، مقدار ذراع، وتقدير باعاً، مقدار باع، وقوله: (هرولة) أي إتياناً هرولة، والهرولة الإسراع، وهي نوع من العدو، وأمثال هذه الإطلاقات ليس إلاَّ على سبيل التجوز، إذ البراهين العقلية القاطعة قائمة على استحالتها على الله تعالى، فمعناه من تقرب إليّ بطاعة قليلة أجازيه بثواب كثير، وكلما زاد في الطاعة أزيد في الثواب، وإن كان كيفية إتيانه بالطاعة على التأني، يكون كيفية إتياني بالثواب على السرعة، فالغرض أن الثواب راجح على العمل، مضاعف عليه كماً وكيفاً، ولفظ النفس والتقرب والهرولة إنما هو مجاز على سبيل المشاكلة، أو على طريق الاستعارة، أو على قصد إرادة لوازمها، وهو من الأحاديث القدسية الدالة على كرم أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. (عمدة القاري، 25/101)
فهذا بيان لبعض مقام الذاكرين لله عنده جل شأنه، وهم القوم الذين لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، عسى أن نكون منهم،
حيث يذكر الله الذاكرين، ويجزيهم خير الجزاء، ويجزل لهم العطاء.
وإلى مزيد من الحديث عن هذا المقام الكريم في الحلقة التالية إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على النبي محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
8 ربيع الآخر 1438هـ

تاريخ النشر  2017-01-06
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس