.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من المماطلة في أداء الديون -الحلقة الثانية

==========================================================

 عن أبي هريرة، رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ)(صحيح البخاري، كتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت ديناً فليس له أن يرجع)
تعرضت الحلقة السابقة إلى التذكير بالهدي القرآني، وتوجيهات الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، بشأن الموقف من المديونية، وتحذير المدينين من المماطلة مع وجود القدرة على السداد والوفاء، ولزوم إرجاع الحقوق المالية التي في ذممهم إلى أصحابها، كما وقفت الحلقة عند جانب أداء الأمانات إلى أهلها، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، مع التأكيد على أن إنكار حق الدائنين، أو المماطلة في التسديد، يندرج ضمن إثم أكل أموال الناس بالباطل.

الصلاة على الميت المدين
التداين أو الاستلاف أو الاقتراض، مصطلحات تطلق على عمليات أخذ أموال خاصة بأشخاص أو جهات من قبل مدينين أو مقترضين أو مستلفين، سواء أكانوا أفراداً أم جماعات، والإقراض لما يكون حسناً لوجه الله تعالى يكون محموداً، ويندرج ضمن التعاون على البر والتقوى، ومساعدة القوي للضعيف والمحتاج، أي إنه من القيم النبيلة، والأخلاق الحميدة، التي جاء بها الإسلام، وحثَّ عليها النبي الأسوة، صلى الله عليه وسلم، وهو المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق، لكن التهاون والتسويف في سداد الديون عده صلى الله عليه وسلم مطلاً، إن صدر عن قادر، وهو ظلم قبيح، لذا حاربه عليه الصلاة والسلام، وبلغ في تنفيره منه أن امتنع عن الصلاة على المدين، حتى يسد دينه، كما جاء في حديث أبي هريرة المثبت أعلاه، والذي هو بمثابة رسالة واضحة الدلالة على الموقف الصارم من المماطلة في سداد الدين، يذكر ابن حجر العسقلاني تفسير العلماء لهذا، إذ قالوا: كأن الذي فعله، صلى الله عليه وسلم، من ترك الصلاة على من عليه دين؛ ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي، صلى الله عليه وسلم، والصلاة على من عليه دين، ورد في حكمها وجهان، قال النووي: الصواب الجزم بجوازها مع وجود الضامن، كما في حديث مسلم.(نيل الأوطار 5/284)
وفي صحيح مسلم بشرح النووي، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يقضي دين المدينين من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه، وخلص النووي إلى أن معنى هذا الحديث أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي، إن لم يُخلّف وفاء.(صحيح مسلم بشرح النووي، 11/60)

إبرام عقد الدين ولزوم الوفاء به
العقود التي يبرمها المسلم مع غيره يُلزم بالوفاء بها معهم، عملاً بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ...}(المائدة: 1)، ومعنى قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} قيل: إن العقود هنا عقدة الإنسان مع غيره؛ من بيع ونكاح وشبه ذلك، وقيل: ما عقده مع ربه من الطاعات، كالحج، والصيام، وشبه ذلك، وقيل: ما عقده الله عليهم من التحليل والتحريم في دينه، ذكر مجملاً، ثم فصل بعد ذلك.(التسهيل لعلوم التنزيل، 1/166)
والآية القرآنية الأطول، تناولت عقد الدين، وبعض تفصيلاته، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوْهُ
صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: 282)
فتفصيل جوانب عقد الدين في هذه الآية القرآنية المتعبد بتلاوتها من المحال أن يكون عبثاً، بل كان ذلك لغاية سامية، عسى أن يدركها المتدبرون في الآيات القرآنية، ليكون منهم الوفاء بالعقود، والتي منها عقود الدين، لازمة الوفاء، وواجبة القضاء، دون مماطلة، ولا تسويف، ولا إنكار لحقوق الدائنين.
راجين الله العلي القدير أن ييسر متابعة الحديث عن التحذير من المماطلة في تسديد الديون، في ضوء الهدي القرآني، وهديه صلى الله وسلم على النبي الأسوة محمد، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
11 ربيع أول 1441هـ

تاريخ النشر  2019-11-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس