.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من المماطلة في أداء الديون -الحلقة الثالثة

==========================================================

 عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أَهْلِهَا يوم القِيَامَةِ، حتى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ من الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم)
واصلت الحلقة السابقة التحذير من المماطلة في تسديد الديون، فتعرضت إلى ترك الصلاة على الميت المدين، وإلى الاهتمام بعقد الدين، إذ إن أطول آية قرآنية تناولت بعض جوانبه، مما يحفز على توثيق الديون، والوفاء بها، فالمؤمنون عند شروطهم، والله أمرهم بالوفاء بالعقود.

وعيد لآكلي حقوق الناس بالباطل
يحلو لبعض الناس التسويف في قضاء الديون المستحقة عليهم للآخرين، وهذا كما سلف بيانه من أكل أموال الناس بالباطل، وصاحبه ظالم، والظلم ظلمات يوم القيامة، وفي الحديث الشريف أعلاه تحذير من التفريط في حقوق الآخرين، أو التنكر لها، فمن فعل ذلك في الدنيا، سيكون منه الأداء في الآخرة، فالله لا تضييع عنده الحقوق، مهما صغرت أو عظمت، حتى إن الحيوانات يقتص لبعضها من بعض، ويؤيد المعنى المتضمن في الحديث أعلاه، قوله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له مَظْلَمَةٌ لأخيه من عِرْضِهِ أو شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه الْيَوْمَ، قبل أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ، ولا دِرْهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ منه بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لم تَكُنْ له حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عليه) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له، هل يبين مظلمته)، فهل من معتبر؟!

إفلاس المماطل يوم القيامة
إضافة إلى ما سلف من تحذيرات للمماطلين في قضاء ما عليهم من دين، فإن المسوف والمماطل في قضاء الديون، يندرج تحت وصف المفلس الذي حذر الرسول، صلى الله عليه وسلم، المسلمين من التلبس بصفاته وسلوكه، فقال: (أَتَدْرُونَ ما الْمُفْلِسُ؟ قالوا: الْمُفْلِسُ فِينَا من لَا دِرْهَمَ له، ولا مَتَاعَ، فقال: إِنَّ الْمُفْلِسَ من أُمَّتِي، يَأْتِي يوم الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قد شَتَمَ هذا، وَقَذَفَ هذا، وَأَكَلَ مَالَ هذا، وَسَفَكَ دَمَ هذا، وَضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا من حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قبل أَنْ يُقْضَى ما عليه، أُخِذَ من خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم)، وبما أن الدين حق على المدينين للدائنين، فإن فاتهم أخذه، وتحصيله منهم في الدنيا، ففي الآخرة سيأخذون مقابله من حسنات المدينين، فإن لم يجدوا لديهم حسنات، فسيتم السداد بطريقة أخرى، إذ يؤخذ مقابل هذا الحق المضيع من سيئات أصحابه، وتلقى السيئات المأخوذة على كاهل الذين، رحلوا عن الدنيا، وفي ذممهم حقوق ضيعوها على أصحابها، من هنا حث النبي، صلى الله عليه وسلم، على التحلل من حقوق العباد في الدنيا، قبل أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، وقبل التعرض لحالة الإفلاس الموصوفة في الحديث آنف الذكر.
الدين يقضى من رأسمال تركة الميت المدين
لأهمية الدين، والتأكيد على حق الدائن في استيفاء دينه، أمر الله عز وجل بتسديد ديون الميت من رأسمال تركته، قبل أن توزع على الورثة المستحقين، فقال تعالى:{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً} (النساء:11)
فبين الله تعالى أن التوزيع يكون {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}.
مما يشير إلى أهمية العناية بأداء الديون إلى أصحابها، فالأحكام الشرعية تتضافر في التركيز على هذه الأهمية، حتى لا يتعامى عن أداء حقوق الآخرين الواجبة لأصحابها، أي عاقل لزمه هذا الأداء.
الله يعين المدين العازم على الأداء
يساند التحذير الشديد من التسويف والمماطلة في أداء الديون، تشجيع على الأداء من نوع خاص، مخصص لمن اقتضتهم حاجة ملحة إلى الاستدانة، يحفزهم على السداد والقضاء، ويتمثل هذا التحفيز بوعد من رب البرية سبحانه بأن يعينهم على السداد مادام لديهم عزم به، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (من أَخَذَ أَمْوَالَ الناس يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى الله عنه، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ الله)(صحيح البخاري، كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها)، فهذا الحديث النبوي الشريف، يحرك وجدان المدين، ويحفز عقله؛ ليعزم على أداء ما عليه من ديون، بعيداً عن المماطلة والتسويف، ما دام لديه يقين بأن له من الله عوناً على قضاء ديونه، وقد وعد سبحانه المتقين بأن يجعل لهم مخرجاً، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، وينسجم مع هذا الوعد، ويتماشى مع فحواه أداء الله عمن أخذ أموال الناس، وهو يريد أداءها، حسب الوعد المشار إليه في الحديث آنف الذكر عن الرسول، صلى الله وسلم عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
18 ربيع أول 1441هـ

تاريخ النشر  2019-11-15
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس