.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من المماطلة في أداء الديون - الحلقة الرابعة والأخيرة

==========================================================

 عن عبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلا الدَّيْنَ)(صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين)
وقفت الحلقة السابقة عند قضايا ذات صلة بالتنفير من المماطلة بأداء الديون المستحقة على المدينين، فركزت على وعيد آكلي حقوق الناس بالباطل، ومن فعل ذلك في الدنيا، سيكون منه الأداء في الآخرة، حيث الحساب على عظيم الأمور وصغيرها، حتى الحيوانات يقتص لبعضها من بعض يومئذ، وقد حث النبي، صلى الله عليه وسلم، من كانت له مَظْلَمَةٌ لأخيه من عِرْضِهِ أو شَيْءٍ، أن يَتَحَلَّلْهُ منه الْيَوْمَ، قبل أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ، ولا دِرْهَمٌ، ويسند هذا تحذير للمسوفين والمماطلين من حالة الإفلاس، التي سيواجهونها يوم القيامة، وتأكيداً على حق الدائن في استيفاء دينه، أمر الله عز وجل بتسديد ديون الميت من رأسمال تركته.

ديون الشهيد
من موجبات العناية بتسديد الديون المستحقة، بقاء انشغال ذمم المدينين بها يوم القيامة، فسبق التذكير بالكف عن الصلاة على الميت المدين، وفي الحديث الشريف أعلاه صورة أخرى للتنفير من المماطلة في أداء الديون، إذ إن الشهيد صاحب المنزلة الرفيعة في الآخرة، التي بسببها تمنى صلى الله عليه وسلم، أن يقتل في سبيل الله، ويعود للحياة مرات ومرات، إلا أن الشهيد يغفر له يوم القيامة كل ذنب سوى الدين، وورد في رواية أخرى، قوله عليه الصلاة والسلام: (الْقَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إلا الدَّيْنَ)(صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين)، فلولا فظاعة المماطلة في أداء الديون ما جُعِلَ الدين سبباً لإبقاء حق الدائنين في ذمة الشهداء، الذين تكفل الله بالعفو عن ذنوبهم جميعها إلا الدين، وفصلت رواية صحيحة أخرى خبر بقاء الديون في ذمم الشهداء، فعن أبي قَتَادَةَ عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أَنَّهُ قام فِيهِمْ، فذكر لهم أَنَّ الْجِهَادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ، أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فقال: يا رَسُولَ اللَّه، أَرَأَيْتَ إن قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فقال له رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: نعم إن قُتِلْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قال رسول اللَّهِ، صلى اللهعليه وسلم : كَيْفَ قُلْتَ؟ قال: أَرَأَيْتَ إن قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: نعم، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إلا الدَّيْنَ، فإن جِبْرِيلَ، عليه السَّلَام، قال لي ذلك)(صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين)، فديون العباد تحول دون تمتع الشهداء بالعفو العام.

الاستعانة بالدعاء على قضاء الديون
مما يعبر عن الإشعار بخطورة الدين، وآثاره الوخيمة على المدينين في الدنيا والآخرة، الاستعاذة بالله منه، فعن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، كان يَدْعُو في الصَّلَاةِ: (اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ من فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ من فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَم، فقال له قَائِلٌ: ما أَكْثَرَ ما تَسْتَعِيذُ من الْمَغْرَمِ! فقال: إِنَّ الرَّجُلَ إذا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)(صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام)
والدين من أنواع المغرم المستعاذ منه، يقول العيني: قوله: (والمغرم)؛ أي ومن المغرم؛ أي الغرامة، وهي ما يلزمك أداؤه كالدين والدية.(عمدة القاري، 23/5)، والغارم المدين حين يعد بالأداء مرات تلو مرات، ولا يحصل منه الوفاء، وبذا يكذب ويخلف.
وتكررت الروايات المؤكدة على الاستعاذة من المأثم والمغرم، فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يقول: (اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ من فِتْنَةِ الْفَقْرِ...)(صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من المأثم والمغرم)، فالاستعاذة من الديون، جاءت في سياق الاستعاذة من أمور عظيمة، كعذاب القبر وفتنته، والنار وفتنتها.
وقد تَمثل السلف الصالح ذلك، فطلبوا العون من الله جل في علاه؛ ليقضي عنهم الديون، فعن سُهَيْلٍ، قال: (كان أبو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إذا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ على شقه الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يقول: اللهم رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأرض، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كل شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَالفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ من شَرِّ كل شَيْءٍ أنت آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهم أنت الْأَوَّلُ، فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ، فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ، فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ، فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا من الْفَقْرِ)(صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع)
عسى أن يدفع التحذير الذي تمَّ التذكير به من المماطلة في أداء الديون المستحقة على المدينين، إلى المسارعة في قضاء الديون، والإحجام عن الاستدانة إلا لحاجات ماسة، فالدين يدفع الخطايا والذنوب، وهو هَمّ في الليل، وذلٌ في النهار، ومطل القادر على الأداء ظلم، حسب ما صرح به خاتم النبيين محمد، صلى الله وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
25 ربيع أول 1441هـ

تاريخ النشر  2019-11-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس