.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من المماطلة في أداء الديون - الحلقة الأولى

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فإذا أُتْبِعَ أحدكم على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) (صحيح البخاري، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة)
يعاني كثير من الناس في هذا الزمان من مشكلة الشيكات الراجعة، أو التي تكون بلا رصيد، ومن أزمة الثقة بين الدائنين بالمدينين، وتنكر بعض المدينين لواجباتهم المالية الخاصة بتسديد الديون والأقساط المؤجلة في مواعيد استحقاقها، وتتفاقم هذه المشكلة أحياناً، لتؤدي إلى حدوث انهيارات مالية في بعض الشركات، وحتى في بعض الدول، وفي ظل ذلك يحسن التذكير بالهدي القرآني وتوجيهات الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، بشأن الموقف من المديونية، وتحذير المدينين من المماطلة مع وجود القدرة على السداد والوفاء، إلى جانب ضرورة توثيق الديون في عقود مالية محكمة، وإضافة إلى هذا الجانب، يجدر التذكير كذلك بتوجيه الدائنين إلى إمهال المعسرين من المدينين، لما في إمهال المعسر من فضل وخير، يعودان على الأفراد والمجتمعات.

مطل الغني ظلم
في الحديث الشريف أعلاه، تحذير شديد من الرسول، صلى الله عليه وسلم، للمماطلين في سداد الديون، وهم يقدرون على سدادها، وإرجاع الحقوق المالية، التي في عهدتهم إلى أصحابها، جاء في تحفة الأحوذي، أن قوله: (مَطْلُ الْغَنِيِّ)؛ أي تأخيره أداء الدين من وقت إلى وقت بغير عذر ظلم، فإن المطل منع أداء ما استحق أداؤه، وهو حرام من المتمكن، وإن كان ليس متمكناً جاز له التأخير إلى الإمكان.(تحفة الأحوذي، 4/445)
وجاء في فتح الباري أن أصل المطل المد، قال ابن فارس: مطلت الحديدة أمطلها مطلاً إذا مددتها لتطول، وقال الأزهري: المطل المدافعة، والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغنى مختلف في تفريعه، ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره، ولو كان فقيراً، وهل يتصف بالمطل من ليس القدر الذي استحق عليه حاضراً عنده، لكنه قادر على تحصيله بالتكسب مثلاً؟ أطلق أكثر الشافعية عدم الوجوب، وصرح بعضهم بالوجوب مطلقاً، وفصل آخرون بين أن يكون أصل الدين وجب بسبب يعصي به فيجب، وإلا فلا.
وقوله: (مَطْلُ الْغَنِيِّ) هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز.
وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى أنه يجب وفاء الدين، ولو كان مستحقه غنياً، ولا يكون غناه سبباً لتأخير حقه عنه، وإذا كان كذلك في حق الغني، فهو في حق الفقير أولى.
ولا يخفى بعد هذا التأويل قوله: (فإذا أُتْبِعَ أحدكم على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) تقول: تبعت الرجل بحقي اتبعه تباعة بالفتح إذا طلبته، والملىء بالهمز مأخوذ من الملاء؛ أي صار ملياً، وقال الكرماني: الملي كالغني لفظاً ومعنى، والأمر في قوله، (فلْيَتْبَعْ) للاستحباب عند الجمهور، وقيل: للإباحة والإرشاد. (فتح الباري، 4/465)

أداء الأمانات إلى أهلها وتحريم أكلها بالباطل
أمر الله عز وجل في قرآنه الكريم بأداء الأمانات إلى أهلها، فقال جل شأنه: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء: 58)، والديون من الأمانات المودعة لدى المدينين، والتي يلزمهم أن يؤدوها إلى أصحابها عند استحقاق السداد، ويحرم عليهم إنكارها أو التقصير في سدادها؛ لأنهم إن فعلوا ذلك كانوا من الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والله جل في علاه نهى عن هذا الفعل الظالم، فقال عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء: 29)
جاء في التفسير الكبير، أنه تعالى خص الأكل هاهنا بالذكر، وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة؛ لما أن المقصود الأعظم من الأموال الأكل، ونظيره قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتَامَى ظُلْماً...} (النساء: 10)
وذكروا في تفسير الباطل وجهين، الأول: أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع؛ كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور، وأخذ المال باليمين الكاذبة، وجحد الحق، والثاني ما روي عن ابن عباس والحسن، رضي الله عنهم، أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض. (التفسير الكبير،10/57)
فإنكار حق الدائنين أو المماطلة في تسديد الدين لهم، يندرج ضمن أكل أموال الناس بالباطل، المنهي عنه في هذه الآية الكريمة، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة شواهد كثيرة تساند مبدأ لزوم حفظ أموال الناس، ومنع التعدي عليها بغير حق، والمال شقيق الروح، وهو من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لحفظها، والذب عنها.
على أمل التمكن من متابعة الحديث عن التحذير من المماطلة في أداء الديون، في ضوء الهدي القرآني، وهدي خاتم النبيين محمد، صلى الله وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
4 ربيع أول 1441هـ

تاريخ النشر  2019-11-01
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس