.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من الإشاعات الكاذبة والمغرضة  

==========================================================

 عن حَفْصِ بن عَاصِمٍ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سمع)(صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع)
يبين الرسول، صلى الله عليه وسلم، خلال هذا الحديث التوجيهي، المتضمن التنفير من الاسترسال مع كثرة الكلام من غير طائل ولا حاجة، فالذي يتحدث بكل ما يسمع يقع في الإثم، ويخشى عليه من الانخراط في الكذب، بطريقة أو بأخرى، فالله خلق للمرء أذنيين ولساناً واحداً، فينبغي أن يكون ما يتحدث به أقل مما يسمعه، وفي شرح الحديث أعلاه، أن قوله: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا) معناه يكفيه ذلك من الكذب، فإنه قد استكثر منه، وفي الحديث تنفير عن الكلام بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن، ومعنى الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط في كونه إثماً، والله أعلم.(صحيح مسلم بشرح النووي،1/75)
مما يعني ضرورة مراعاة تهذيب اللسان عن التلبس بخطايا الكلام، التي منها الكذب والغيبة والنميمة والحديث بما لا يعني المتحدث، وما شابه ذلك من آفات اللسان وزلاته وخطاياه.

امتياز الطابور الخامس ببث الإشاعات المغرضة والترويج لها
طائفة رخيصة من الناس يستخدمون اللسان مع سبق الإصرار والترصد إلى إحداث انتهاكات كيدية للآخرين وأعراضهم، فيكذبون ويُزورون ويَسخرون ويَنُمّون ويَغتابون، وبعضهم يتعمد إشاعة أخبار بقصد إحداث بلبلة واضطرابات مجتمعية، أو من أجل تشويه سمعة أناس معينين وزعزعة الثقة بهم، حتى إن بعض المستهدفين بهذا الشر يدفعون أثماناً باهظة من حياتهم ومالهم وعلاقاتهم ومواقعهم بسبب ذلك، فإن كانت تلك الأخبار ملفقة ومفتراة فتلك جريمة نكراء بكل المعايير والاعتبارات؛ الدينية والأخلاقية، وإن كانت صادقة فلإذاعتها ضوابط شرعية ينبغي مراعاتها، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، ذم الذي يسيء إلى الأعراض بالغيبة، سواء أكان صادقاً أم كاذباً، فقال عليه الصلاة والسلام: (أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟ قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إن كان في أَخِي ما أَقُولُ؟ قال: إن كان فيه ما تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لم يَكُنْ فيه فَقَدْ بَهَتَّهُ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحرم الغيبة)
فالغيبة ذكر الإنسان في غيبته بما يكره، والبهتان هو الباطل، وأصل البهت، أن يقال له الباطل في وجهه، وهما حرامان.(صحيح مسلم بشرح النووي،16/142)
ومن الآداب الإسلامية الرفيعة التي ينبغي للمسلم التحلي بها، ضبط اللسان عن الآفات، ومن ذلك النعي القرآني على المسارعين إلى نشر الأخبار والأقاويل، دون تمحيص، أو تقدير للمصالح الشرعية المتعلقة بالنشر أو التحفظ والكتم، فيقول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}(النساء:83)
فالذين يذيعون شتى الأخبار دون تريث ولا تحقق، هم المنافقون، وقيل قوم من ضعفاء المسلمين، كانوا إذا بلغهم خبر عن السرايا والجيوش أو غير ذلك أذاعوا به، أي تكلموا به وشهروه قبل أن يعلموا صحته، وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين، مع ما في ذلك من العجلة، وقلة التثبت، فأنكر الله ذلك عليهم، لأنهم لو تركوا الخوض بذلك الأمر الذي بلغهم، وردوه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بصفته ولي أمرهم، لتمكنوا من الحصول على نتائج سليمة بالخصوص، وهكذا ينبغي أن تعرض الأخبار على المسؤولين لتمحيصها، واتخاذ القرار المناسب بشأنها، بالسماح بنشرها أو التحفظ عليها، أو بيان الحقيقة الجلية حيالها، وذلك بعد التأكد من صحتها أو زيفها، بصفتهم أهل الدراية بذلك، المحيطون بعلم هذه الأمور وخباياها.
ومن شواهد السيرة النبوية العطرة على سوء منهج المسارعين إلى نشر الأخبار دون ضوابط، الترويج لإشاعة مقتل النبي، صلى الله عليه وسلم، في خضم غزوة أحد، مما تسبب في إحداث بلبلة وقلقلة في صفوف المؤمنين ومواقفهم، وأعقب ذلك نزول آيات قرآنية بالخصوص، حيث قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}(آل عمران:144)، ومعلوم لأي متدبر حجم الأضرار التي تحدثها الشائعات خلال الحروب والمعارك، وبخاصة ما يتعلق منها بنوع الخسائر وحجمها، ومن ذلك مقتل القادة أو إصابتهم أو أسرهم.
والمسارعة إلى نشر الإشاعة دون التقيد بالضوابط الشرعية تدرج أصحابها ضمن الذين يطلق عليهم مسمى الطابور الخامس، وهي صفة من صفات المنافقين الذين هم أحط الناس، وتوعدهم الله أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار، فقال سبحانه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}(النساء:145)، والمتساقطون في مراتع الرذيلة والصفاقة، يحبون أن تشيع الفاحشة بين الناس، وينتهكون الأعراض الطاهرة، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر والوهن، قبحهم الله، وفضحهم في الدنيا والآخرة.
وقد توعد الله هذه الفئة الضالة بفضح أمرهم، وملاحقتهم، وهزيمتهم، فقال تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً}(الأحزاب:60)
والمرجفون هم الذي يؤذون النبي، عليه الصلاة والسلام، بالإرجاف، بمثل قولهم: غلب محمد، وسيخرج من المدينة، وسيؤخذ.(التفسير الكبير،25/199)
وقد حذر الله من المنافقين وأعمالهم الخسيسة، فقال تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}(التوبة:47)
فخروجهم إلى جانب المؤمنين لمواجهة أعداء الإسلام لا يجلب لصف المؤمنين خيراً، وإنما يزيدهم شراً وفساداً، ومعنى {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} الإيضاع سرعة السير، والمعنى أنهم يسرعون للفساد والنميمة خلالكم، أي بينكم، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} أي يحاولون أن يفتنوكم، {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} قيل يسمعون أخبارهم وينقلونها إليهم(التسهيل لعلوم التنزيل،2/77). فمن خبث الطابور الخامس ودسائسهم أنهم يروجون لأخبارهم الكاذبة ويزينوها ليصدقها بسطاء الناس، وهم كذلك يفشون أسرار ربعهم، وينقلون أخبارهم لأعدائهم بمقابل خسيس أو دونه، فهم العدو الذي ينبغي الحذر منه.

جريمة نشر الإشاعات الظنية
يرد إلى الأذهان عند الحديث عن الإشاعات المغرضة خبر الإفك الذي وصفه الله بذلك، بل قال عنه بأنه مبين، وذلك كما جاء في قوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ}(النور:12)، وخبر الإفك يتعلق بحادثة تلفيق تهمة باطلة للنقية الطاهرة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، بسبب ظنون آثمة لم تغن عن الحق شيئاً، تحدث بها قوم فتسببوا في إحداث بلبلة وزلزلة في ربوع المجتمع المسلم الناشئ، حتى أنقذ الله المؤمنين ورسولهم، عليه الصلاة والسلام، وأهل بيته وزوجه الطاهرة، رضي الله عنها، من مصيبة الإفك المبين، فأنزل الله في سورة النور آيات تحدثت بشيء من الإسهاب عن بعض جوانب هذا الإفك وتداعياته، وما يجب أن يتحلى به المؤمنون من صفات تجاهه.
فنشر الإشاعات الظنية أو الكاذبة بين الناس لا يقل جرمه أحياناً عن جرائم سفك الدماء، فمس الأعراض يؤذي أصحابها بمستوى يوازي الألم الذي يصيب أعضاء الأبدان، بسبب عنف مورس ضدها، من هنا أمر سبحانه بالتثبت من الأخبار التي يروجها الفاسقون، محذراً أشد التحذير من إصابة الإنسان لأخيه بخبر كاذب أذاعه عنه دون تثبت، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات:6)
هدانا الله إلى التحلي بمكارم الأخلاق، التي منها التحرز عن الخوض فيما لا يعنينا، أو فيما لم نتثبت صدقه، أو فيما يساعد بثه على نشر الفاحشة والرذيلة بيننا، ويسيء إلى أبرياء ظلمهم أصحاب الأراجيف، الذين سبق لأسلافهم أن روجوا الأكاذيب عن أهل بيت رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
18 شعبان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-05-04
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس