.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من آفات اللسان - الحلقة السادسة والأخيرة

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديث...) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر)
تصدر الحلقة السابقة خبر إقرار ماعز بارتكاب فاحشة الزنى، الذي تبين من خلاله كيف تأنى صلى الله عليه وسلم في اتخاذ القرار الخاص بذلك، وكذلك فعل مع الغامدية من بعده، مما يشكل نبراساً للتأسي في التثبت من الأخبار، التي تخص أعراض الناس، وذلك في إطار منظومة قيم الإسلام، التي تحث على الوقاية من سوء استخدام اللسان، ومن ذلك الحث على التثبت، والتحقق من صدق الأخبار، قبل النطق بالكلام.

النهي عن النطق بالكلام المستند إلى آفة الظن
الظن مذموم، وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أعلاه يحذر الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الظن، واصفاً إياه بأكذب الحديث، مما يدل على الصلة الوثيقة للظن بالكذب، الذي هو من أبرز آفات اللسان وأخطرها، فهو ريبة، ويهدي إلى الفجور، ويفضي بصاحبه إلى جهنم، وبئس المصير، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حتى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)(صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} التوبة: 119)
ونهى الله عن اتّباع الظن في قرآنه الكريم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}(الحجرات: 12)
والآيات القرآنية في النهي عن الاسترسال مع الظنون، والتحذير منها عديدة، منها، قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (يونس: 36)، فليس الظن كاليقين، ولا يقوم مقام الحق. (زاد المسير، 4/31)

التحذير من الأراجيف
من الآفات اللسانية الفتّاكة، تلك التي تنطلق فيها الألسنة بالتصريحات الظنية أو الكاذبة، مما اصطلح على تسميتها بالإشاعات أو الأراجيف، التي هي من أمارات أمراض القلوب، التي غالباً ما تكون من مناهج المنافقين وخصائص سلوكهم، وفي التحذير من هذه الآفة الخطيرة، يقول سبحانه: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً} (الأحزاب: 60)
وسجل القرآن الكريم تفصيلاً لبعض تداعيات الأراجيف الكاذبة، التي تَزَّعم شرها المنافقون، لما رُمِيَت الطاهرة أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بالإفك، ومن الآيات التي نزلت بهذا الخصوص، قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (النور: 15) والمقصود حديث الإفك بضمائر الصلة في (تَلَقَّوْنَهُ، بِهِ، وَتَحْسَبُونَهُ) والضمير المنفصل (وَهُو)، ومعنى تلقونه: يأخذه بعضكم من بعض، وفي هذا الكلام وفي الذي قبله وبعده عتاب لهم على خوضهم في حديث الإفك، وإن كانوا لم يصدقوه، فإن الواجب كان الإغضاء عن ذكره، والترك له بالكلية، فعاتبهم على ثلاثة أشياء؛ وهي: تلقيه بالألسنة؛ أي السؤال عنه، وأخذه من المسؤول، والثاني: قولهم ذلك، والثالث: أنهم حسبوه هيناً، وهو عند الله عظيم. وفائدة قوله: بألسنتكم وبأفواهكم، الإشارة إلى أن ذلك الحديث كان باللسان دون القلب، إذ كانوا لم يعلموا حقيقته بقلوبهم. (التسهيل لعلوم التنزيل، 3/61- 62)
وقد استهجنت أم المؤمنين عائشة أن تصل الخطيئة ببعض الناس، ليفتروا عليها ما أشاعوه، ففي الحديث الصحيح عنها: (.... قالت: قلت: سُبْحَانَ اللَّهِ، وقد تَحَدَّثَ الناس بهذا؟!! قالت: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حتى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي...) (صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف)
ومن تداعيات الأراجيف والأكاذيب، إشاعة الفاحشة في أوساط المجتمعات، وتهديد السلم المجتمعي، وعن هذه الآفة يقول تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النور: 19)، الإشارة بذلك إلى المنافقين الذين أحبوا أن يشيع حديث الإفك، ثم هو عام في غيرهم ممن اتصف بصفتهم.(التسهيل لعلوم التنزيل، 3/62)

خاتمة
الحديث عن آفات اللسان والتحذير منها طويل، وما تم الوقوف عنده في هذه الحلقة وسابقاتها الخمس، ليس إلا عينة مما تيسر، وإلا فآفات اللسان، التي حذر منها القرآن الكريم، والحديث الشريف كثيرة، لا يتسع المجال لسردها وتفصيلها، وبخاصة أن الناس توسعوا في استخدامها، وسلكوا دربها مع تطور تقنيات التواصل والاتصال، حيث صار المجال رحباً لمن لا يتقون الله للوقوع في إثم الاعتداء على أعراض الآخرين بالغيبة، والنميمة، والسخرية، والغمز، واللمز، وفضح الأسرار، وغير ذلك من الآفات اللسانية، مكتفين في هذه المرحلة بما تم الوقوف عنده من وقائع التحذير من آفات اللسان، حسب ما جاء في القرآن الكريم، وعن نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
23 ذو القعدة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-07-26
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس