.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من آفات اللسان - الحلقة الرابعة

==========================================================

 عن حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يَنُمُّ الحديث، فقال حُذَيْفَةُ: "سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ)(صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة)
وقفت الحلقة السابقة عند بعض الأدلة الشرعية الدالة على أهمية التروي في نشر الأخبار، ومن ذلك تحذير الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الاسترسال في نشر كل ما يسمع من الكلام دون التقيد بضوابط النشر، معتبراً ذلك من الآثام والخطايا، فكيف بالذين يضيفون لما يسمعون الكذب والزور والبهتان؟!!
وتعرضت الحلقة كذلك إلى مسألة كف اللسان عن إيذاء الناس، التي هي من أمارات إسلام المسلم، وإيذاؤه من علامات نقصان إسلامه، مبينة أن السلامة والنجاة في حفظ اللسان، والرسول، صلى الله عليه وسلم، ضمن لمن يَضْمَنْ له ما بين لَحْيَيْهِ، وما بين رِجْلَيْهِ الْجَنَّةَ. وحث من كان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ على أن يَقُلْ خَيْرًا أو يَصْمُتْ.

النميمة
الحديث الشريف أعلاه يحذر من إحدى آفات اللسان الخطيرة، تلكم هي النميمة، وما أدراكم ما النميمة؟ تلك التي يسعى صاحبها إلى الإفساد بين الناس من خلال نقله الكلام عن بعضهم إلى بعض للإيقاع بينهم، أو زيادة نطاق الشرخ بين المتخاصمين منهم، وينقل النووي عن العلماء قولهم: النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. (صحيح مسلم بشرح النووي: 2/112)
وأخرج مسلم في صحيحه في الباب الذي أخرج فيه الحديث أعلاه رواية عن هَمَّامِ بن الْحَارِثِ قال: "كان رَجُلٌ يَنْقُلُ الحديث إلى الأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوسًا في الْمَسْجِدِ، فقال الْقَوْمُ: هذا مِمَّنْ يَنْقُلُ الحديث إلى الأَمِيرِ، قال: فَجَاءَ حتى جَلَسَ إِلَيْنَا، فقال حُذَيْفَةُ، سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ)(صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة)، ومعنى (قتات) أي نمام، وقيل: الفرق بين القتات والنمام؛ أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يتسمع من حيث لا يعلم، ثم ينقل ما سمعه.(فتح الباري:10/473)
يقول الغزالي: اعلم أن اسم النميمة إنما يطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، وليست النميمة مختصة به، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو كرهه ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، وسواء كان ذلك عيباً ونقصاً في المنقول عنه، أو لم يكن، بل حقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه، بل كان ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره، فينبغي أن يسكت عنه، إلا ما في حكايته فائدة لمسلم، أو دفع لمعصية.(إحياء علوم الدين:3/156)

المشاء بنميم وحمالة الحطب
ذم الله سالكي درب النميمة، فقال عز وجل: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ* هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ}(القلم:10-11)، والمشاء بنميم، أي كثير المشي بالنميمة، يقال نميم ونميمة بمعنى واحد.(التسهيل لعلوم التنزيل:4/138)
وتوعد سبحانه امرأة أبي لهب بحبل من مسد يوم القيامة، مقدماً لذلك بوصفها بأنها حمالة الحطب، فقال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}(المسد:4-5)
جاء في التفسير أن في وصفها بحمالة الحطب أربعة أقوال، أحدها: أنها كانت تحمل حطباً وشوكاً، فتلقيه في طريق النبي، صلى الله عليه وسلم، لتؤذيه، الثاني: أن ذلك عبارة عن مشيها بالنميمة، يقال: فلان يحمل الحطب بين الناس، أي يوقد بينهم نار العداوة بالنمائم، الثالث: أنه عبارة عن سعيها بالمضرة على المسلمين، يقال: فلان يحطب على فلان، إذا قصد الإضرار به، الرابع: أنه عبارة عن ذنوبها وسوء أعمالها.(التسهيل لعلوم التنزيل:4/222)
فالمشي بالنميمة يشبه حمل الحطب لإشعال الحرائق، وهو يشعل نار الفتن والبغضاء والأحقاد بين الناس.

توجيهات لمن تنقل إليه النميمة
يقول الإمام الغزالي: وكل من حملت إليه النميمة، وقيل له: إن فلاناً قال فيك كذا وكذا، أو فعل في حقك كذا، أو هو يدبر في إفساد أمرك، أو في ممالاة عدوك، أو تقبيح حالك، أو ما يجري مجراه، فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق، وهو مردود الشهادة.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصح له، ويقبح عليه فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى.
الرابع: أن لا تظن بأخيك الغائب السوء.
الخامس: أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس، والبحث.
السادس: أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه، ولا تحكي نميمته، فتقول: فلان قد حكى لي كذا وكذا، فتكون به نماماً ومغتاباً، وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت.
وعن الحسن، قال: من نم إليك نم عليك، وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض، ولا يوثق بقوله ولا بصداقته.(إحياء علوم الدين:3/156)
آملين متابعة الحديث عن التحذير من آفات اللسان، حسب هدي القرآن الكريم، وسنة نبينا الكريم، محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
9 ذو القعدة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-07-12
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس