.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من آفات اللسان - الحلقة الخامسة

==========================================================

 عن سُلَيْمَانَ بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: (جاء مَاعِزُ بن مَالِكٍ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فقال: وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِر اللَّهَ، وَتُبْ إليه، قال: فَرَجَعَ غير بَعِيدٍ، ثُمَّ جاء، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَيْحَكَ، ارْجِع فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَتُبْ إليه، قال: فَرَجَعَ غير بَعِيدٍ، ثُمَّ جاء، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ طَهِّرْنِي، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، مِثْلَ ذلك، حتى إذا كانت الرَّابِعَةُ، قال له رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: فيما أُطَهِّرُكَ؟ فقال: من الزِّنَى. فَسَأَلَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: أَبِهِ جُنُونٌ؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ ليس بِمَجْنُونٍ، فقال: أَشَرِبَ خَمْرًا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فلم يَجِدْ منه رِيحَ خَمْرٍ، قال: فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَزَنَيْتَ؟ فقال: نعم، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ الناس فيه فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يقول: لقد هَلَكَ، لقد أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يقول: ما تَوْبَةٌ أَفْضَلَ من تَوْبَةِ مَاعِزٍ؛ أَنَّهُ جاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فَوَضَعَ يَدَهُ في يَدِهِ، ثُمَّ قال: اقْتُلْنِي بِالحِجَارَةِ، قال: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ، أو ثَلاثَةً، ثُمَّ جاء رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، فقال: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بن مَالِكٍ، قال: فَقَالُوا: غَفَرَ الله لِمَاعِزِ بن مَالِكٍ، قال: فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لقد تَابَ تَوْبَةً لو قُسِمَتْ بين أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ، قال: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ من غَامِدٍ من الأَزْدِ، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي. فقال: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إليه، فقالت: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كما رَدَّدْتَ مَاعِزَ بن مَالِكٍ، قال: وما ذَاكِ؟ قالت: إِنَّهَا حُبْلَى من الزِّنَى، فقال: آنْتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تَضَعِي ما في بَطْنِكِ، قال: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ، حتى وَضَعَتْ، قال: فَأَتَى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: قد وَضَعَتْ الغَامِدِيَّةُ، فقال: إِذًا لا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، ليس له من يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ من الأَنْصَار،ِ فقال: إليَّ رَضَاعُهُ يا نَبِيَّ اللَّهِ، قال: فَرَجَمَهَا)(صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى)
تعرضت الحلقة السابقة للحديث عن آفة من أخطر آفات اللسان، تلكم هي النميمة، التي يراد بها السعي بالإفساد بين الناس من خلال نقل الكلام عن بعضهم إلى بعض، وأطلق على صاحبها وصف القتات، والذي يعني النمام في بعض أحواله، والنمام والقتات حرم عليهما دخول الجنة، حسب ما جاء في الأحاديث الصحيحة من وعيدهما بذلك، إضافة لما جاء بالخصوص في القرآن الكريم، ومن ذلك ذم المشاء بنميم، وحمالة الحطب، وتم اقتباس بعض توجيهات الغزالي لمن تنقل إليه النميمة، والتي تدل على ضرورة اتخاذ المواقف الصارمة منها للوقاية من شرها وتبعاتها.

التثبت والتحقق قبل النطق
وضع الإسلام منظومة من القيم، حثَّ على التحلي بها لتحقيق ضبط الكلام، والنجاة من سوء استخدام اللسان، ومن ذلك الحث على التثبت، والتحقق من صدق الأخبار، قبل النطق بالكلام، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات: 6)
الفاسق هاهنا هو الكذاب، وأما في اللغة فهو الخارج عن طاعة الله، وقوله: {فَتَبَيَّنُوا} معناه التدبر، والتأني في الأمر، وترك العجلة، وقوله: {أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ} معناه، لئلا تصيبوا قوماً بجهالة، ومعنى الإصابة هاهنا هو الإصابة من الدم والمال، بالقتل والأسر والاغتنام، وقوله: {فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}؛ أي تصيروا نادمين على فعلكم، وليس المراد منه الإصباح للذي هو ضد الإمساء.(تفسير السمعاني، 5/217)
والحديث أعلاه عن ماعز، يظهر ممارسة الرسول، صلى الله عليه وسلم، للتروي في استقاء الأخبار، قبل النطق في الأحكام عليها، حتى وهي ترد على سبيل الإقرار من أصحاب الجرم، فلعل المقر غير عاقل، أو التبست عليه الأمور، فما سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الأمر الذي طلب ماعز أن يطهره منه، إلا بعد تكرار إصراره على ذلك أربع مرات متتالية، مما يؤكد أهمية التيقن من الأخبار، وبخاصة تلك التي تُبنى عليها الأحكام والإدانات. ولم يكن التثبت خاصاً بحالة ماعز، بل تكرر مع الغامدية من بعده، ليدل أنه منهج معتمد، ولم يكن أمراً عارضاً.
وإذا كانت مراعاة التروي بلغت هذا المستوى مع المقر بالذنب والخطيئة من قبل من يتولى القضاء الرسمي، فإن الناس يحتاجون إلى أن يراعوا ذلك في أحكامهم المتسرعة على الآخرين بناء على ظنون وشائعات قد لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فالثرثرة في الباطل مذمومة، وبخاصة حين تمس أعراض الأبرياء، وتُشيع الفاحشة في المجتمعات.
آملين ختم الحديث في الحلقة القادمة عما تيسر الوقوف عنده من وقائع التحذير من آفات اللسان، حسب ما جاء في القرآن الكريم، وعن نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
16 ذو القعدة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-07-19
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس