.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من آفات اللسان - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ما يَتَبَيَّنُ ما فيها، يهوي بها في النَّارِ أَبْعَدَ ما بين المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)(صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار)
تعرضت الحلقة السابقة إلى بيان أهمية اللسان، فهو آية من آيات الله العظيمة، التي تتجلى فيها القدرة الربانية في خلق هذا الجزء المهم من أجزاء الإنسان، والذي يعبر بواسطته عن أفكاره وحاجاته وينطق بما يريد قوله، وباللغة المتاحة، واللسان الذي ينطق بلغة يمكن أن ينطق بلغات أخرى إذا أتيح لصاحبه تعلمها، وهو يتحرك بأمر الدماغ بصورة متناهية في السرعة ليؤدي وظيفته، التي يغفل كثيرون عن التدبر في أسرارها العجيبة.
وعن استخدامات اللسان، ومآل كل منها، بينت الحلقة أن اللسان يؤدي دوراً غاية في الأهمية للناس وتواصلهم وقضاء حاجاتهم، والتعبير عن أفكارهم، وهو كسائر الأعضاء يستخدم للخير والشر، وشتان بين الاستخدامين، وتعرضت الحلقة السابقة أيضاً لأهمية الكلمة وخطورتها، في ضوء ما نبهت إليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، ومنها حديث أبي هريرة أعلاه، والذي يبين أن كلمة قد يتكلم بها العبد فتهوي به في نار جهنم أَبْعَدَ ما بين الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، أي هوياً أبعد من البعد الذي بينهما.(مرقاة المفاتيح 9/54)

المسؤولية عن استخدام الجوارح والحواس
يتفق التحذير الوارد في الحديث أعلاه بشأن مآلات سوء الكلام، مع التحذيرات الواسعة من سوء استخدام الجوارح والحواس الخاصة بكل إنسان، فالله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}(الإسراء: 36)
فهذه الآية الكريمة تنهى عن اتّباع الإنسان ما ليس له به علم، ويشمل ذلك قوله رأيت ولم يرَ، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم، ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم، وقد أشار جل وعلا إلى هذا المعنى في آيات أخر، كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(البقرة:169).(أضواء البيان 3/145)
فالمسلم مطالب بضبط جوارحه لتعمل في طاعة الله، والبعد عن سخطه، وهو محاسب على ذلك يوم الدين، وقد نبه سبحانه إلى ذلك في آيات قرآنية، منها قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ* إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ* مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:16-18)
وتفسير قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}أي ما يرمى به من فيه، من خير أو شر، {إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ}؛ أي ملك يرقب قوله ويكتبه، فإن كان خيراً، فهو صاحب اليمين بعينه، وإلا فهو صاحب الشمال، ووجه تغيير العنوان غني عن البيان والإفراد مع وقوفهما معاً على ما صدر عنه، لما أن كلاً منهما رقيب لما فوض إليه، لا لما فوض إلى صاحبه، كما ينبأ عنه قوله تعالى:{عَتِيدٌ} أي معد مهيئاً لكتابة ما أمر به من الخير أو الشر.(تفسير أبي السعود، 8/129)

ليس كل ما يُعلم يقال
من مقتضى المسؤولية عن الجوارح والحواس التقيد باستقاء الأخبار من مصادرها الموثوقة، والتأكد من خلو النشر من الموانع والأضرار، فالمعلومة حتى لو كانت صحيحة وصادقة، إلا أن نشرها دون مراعاة للمصالح العامة والخاصة، قد يضر بالمجتمع وبعض شرائحه، من هنا كان النقد لاذعاً لمذيعي الأخبار خارج نطاق الأصول الشرعية التي ينبغي أن تُراعى، فقال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}(النساء: 83)
جاء في التفسير أن المقصود بالفئة المنتقدة في هذه الآية الكريمة هم المنافقون، وقيل: قوم من ضعفاء المسلمين كانوا إذا بلغهم خبر عن السرايا والجيوش أو غير ذلك، أذاعوا به، أي تكلموا به، وشهروه قبل أن يعلموا صحته، وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين، مع ما في ذلك من العجلة، وقلة التثبت، فأنكر الله ذلك عليهم، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم}؛ أي لو ترك هؤلاء القوم الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم، وردوه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي الأمر، وهم كبراء الصحابة، وأهل البصائر منهم، لعلمه القوم الذين يستنبطونه، أي يستخرجونه من الرسول وأولي الأمر، فالذين يستنبطونه على هذا طائفة من المسلمين، يسألون عنه الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر.(التسهيل لعلوم التنزيل، 1/149-150)
وتشهد لأهمية التروي في نشر الأخبار والانضباط في ذلك أدلة كثيرة من التاريخ والسيرة والواقع الحاضر، راجين أن ييسر الله عز وجل عرض بعضها في ثنايا متابعة الحديث عن التحذير من آفات اللسان، حسب ما جاء في القرآن الكريم، وعن نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
24 شوال 1440هـ

تاريخ النشر  2019-06-28
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس