.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من آفات اللسان - الحلقة الثالثة  

==========================================================

 عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سمع)(صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع)
تعرضت الحلقة السابقة للحديث عن المسؤولية عن استخدام الجوارح والحواس، مع التنبيه إلى أن المسلم مطالب بضبط جوارحه لتعمل في طاعة الله، والبعد عن سخطه، وهو يعلم أن ما يصدر عنها سيحاسب عليه يوم الدين، فمَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، ومن مقتضى المسؤولية عن الجوارح والحواس التقيد باستقاء الأخبار من مصادرها الموثوقة، والتأكد من خلو النشر من الموانع والأضرار، وليس كل ما يعلم يقال، فالمعلومة حتى لو كانت صحيحة وصادقة، إلا أن نشرها دون مراعاة للمصالح العامة والخاصة، قد يضر بالمجتمع وبعض شرائحه، من هنا كان النقد لاذعاً لمذيعي الأخبار خارج نطاق الأصول الشرعية، التي ينبغي أن تراعى، ومن الأدلة الشرعية على أهمية التروي في نشر الأخبار والانضباط في ذلك، الحديث الشريف المثبت نصه أعلاه، والذي يحذر فيه الرسول، صلى الله عليه وسلم، بوضوح من الاسترسال في نشر ما يسمع من الكلام، معتبراً ذلك من الآثام والخطايا.
يقول النووي: الحديث والآثار التي فيها الزجر عن التحديث بكل ما يسمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن، ومذهب أهل الحق أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط في كونه إثماً، والله أعلم.(صحيح مسلم بشرح النووي، 1/75)
فإذا كان التحدث بكل المسموع يُلحق بالمتحدث الإثم، فكيف بالذين يضيفون لما يسمعون الكذب والزور والبهتان؟!! فبعض الناس يتقنون مهارة تضخيم الأخبار، فيختلقون من عند أنفسهم الإضافات الآثمة، المناقضة للحقيقة والواقع، والتي قد تمس أعراض الأبرياء، وتطال من أحوال الخلق وحقوقهم، وفي القرآن الكريم وعيد للمفترين، منه ما جاء على لسان موسى، عليه السلام، وفق قوله تعالى: {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى}(طه: 61)، وفي المقابل؛ فإن القرآن الكريم يحث على انتقاء القول السديد، فيقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}(الأحزاب:70)
يقول الرازي: (أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُمْ مِنَ الأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، أَمَّا الأَفْعَالُ فَالْخَيْرُ، وَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَالْحَقُّ لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِالْخَيْرِ وَتَرَكَ الشَّرَّ فَقَدِ اتَّقَى اللَّهَ وَمَنْ قَالَ الصِّدْقَ قَالَ قَوْلًا سَدِيدًا، ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى الْأَمْرَيْنِ بِأَمْرَيْنِ:
عَلَى الْخَيْرَاتِ بِإِصْلاحِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ يَصْلُحُ الْعَمَلُ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يُرْفَعُ وَيَبْقَى، فَيَبْقَى فَاعِلُهُ خَالِدًا فِي الْجَنَّةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ السَّدِيدِ بِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ).(تفسير الرازي: 25/186)

كف اللسان عن إيذاء الناس
عن أبي مُوسَى، رضي الله عنه، قال: (قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قال: من سَلِمَ المُسْلِمُونَ من لِسَانِهِ وَيَدِه)(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل)
يقول صاحب فيض القدير: فإيذاء المسلم من نقصان الإسلام، والإيذاء ضربان، ضرب ظاهر بالجوارح، كأخذ المال بنحو سرقة، أو نهب، وضرب باطن، كالحسد، والغل، والبغض، والحقد، والكبر، وسوء الظن، والقسوة، ونحو ذلك، فكله مضر بالمسلم، مؤذ له، وقد أمر الشرع بكف النوعين من الإيذاء، وهلك بذلك خلق كثير.(فيض القدير 6/271)
وفي حاشية السندي على سنن النسائي: (مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ) من لا يؤذي أحداً بوجه من الوجوه، لا باليد ولا باللسان.(حاشية السندي على سنن النسائي، 8/105)

السلامة والنجاة في حفظ اللسان
من الأحاديث الشريفة في بيان السلامة والنجاة من آفات اللسان، قوله صلى الله عليه وسلم: (من يَضْمَنْ لي ما بين لَحْيَيْهِ، وما بين رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ له الجَنَّةَ)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق باب حفظ اللسان)
يبين العيني، أن إطلاق الضمان عليه في قوله: (من يَضْمَنْ لي) مجاز، إذ المراد لازم الضمان، وهو أداء الحق الذي عليه، قوله: (ما بين لَحْيَيْهِ)، تثنية لحي، وهما العظمان في جانبي الفم، والمراد بما بينهما اللسان، (وما بين رِجْلَيْهِ) الفرج، قوله: (أَضْمَنْ له الْجَنَّةَ) بالجزم؛ لأنه جواب الشرط، وفيه أن أعظم البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج، فمن وقي من شرهما فقد وقي أعظم الشر.(عمدة القاري، 23/71)
ويقول صلى الله عليه وسلم:(من كان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أو لِيَصْمُتْ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان)
يقول ابن حجر العسقلاني: وهذا من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إما خير، وإما شر، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال، فرضها وندبها، فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر، أو يئول إلى الشر، فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت. (فتح الباري، 10/446)
راجين أن ييسر الله عز وجل متابعة الحديث عن التحذير من آفات اللسان، حسب ما جاء في القرآن الكريم، وعن نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 ذو القعدة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-07-05
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس