.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر من آفات اللسان - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ من رِضْوَانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بَالًا يرفعه الله بها دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ من سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بَالًا يهوي بها في جَهَنَّمَ)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان)
اللسان يؤدي دوراً غاية في الأهمية للناس، وتواصلهم، وقضاء حاجاتهم، والتعبير عن أفكارهم، وهو كسائر الأعضاء يستخدم للخير والشر، وشتان بين الاستخدامين، والحديث أعلاه يوضح مآل الاستخدامين في الآخرة، فالله يرفع درجات ومقام المتكلم بما يرضيه سبحانه، بخلاف الذي يستخدم لسانه في سخط الله، فإن جزاء هذا النوع من الاستخدام الارتماء في أحضان جهنم، وبئس المصير.

شرح ألفاظ الحديث الشريف
جاء في عمدة القاري، قوله: (من رِضْوَانِ اللَّهِ)؛ أي مما يرضي الله به، قوله: (لا يُلْقِي) بضم الياء من الإلقاء، أي لا يلتفت إليها خاطره، ولا يعتد بها، ولا يبالي بها، ومعنى البال هنا القلب، قوله: (يرفع الله بها)، وفي رواية الأكثرين (يرفع الله بها دَرَجَاتٍ) وفي رواية (يرفعه الله بها درجات) قوله: (من سَخَطِ اللَّهِ) يعني مما لا يرضى به، قوله: (يهوي) بفتح الياء وسكون الهاء وكسر الواو، وقال عياض ينزل فيها ساقطاً، وقد جاء بلفظ يزل بها في النار؛ لأن دركات النار إلى أسفل، فهو نزول سقوط، وقيل: أهوى من قريب، وهوى من بعيد.(عمدة القاري، 23/72)

أهمية اللسان
اللسان آية من آيات الله العظيمة، التي تتجلى فيها القدرة الربانية في خلق هذا الجزء المهم من أجزاء الإنسان، والذي يعبر بواسطته عن أفكاره وحاجاته، وينطق بما يريد قوله، وباللغة المتاحة، واللسان الذي ينطق بلغة يمكن أن ينطق بلغات أخرى إذا أتيح لصاحبه تعلمها، وهو يتحرك بأمر الدماغ بصورة متناهية في السرعة ليؤدي وظيفته، التي يغفل كثيرون عن التدبر في أسرارها العجيبة، وقد ذكر الله اللسان ضمن آياته الباهرة الدالة على عظمة خلقه، فقال جل شأنه: {وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}(البلد: 9)
وذكر اللسان في مواضع قرآنية عديدة، وقصد به اللغة التي ينطق بها الخلق، فقال عز وجل: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(الدخان: 58)، والمقصود بالميسر بلسان النبي، صلى الله عليه وسلم، هنا هو القرآن الكريم، الذي يقول فيه سبحانه كذلك: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}(الشعراء:192-195)
وموسى، عليه السلام، سأل الله سبحانه فصاحة اللسان، ليفقه المخاطبون قوله، فقال تعالى عن ذلك: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي}(طه:25- 28)، وسأل موسى، عليه السلام، كذلك الله أن يسعفه الله بأخيه هارون؛ لأنه أفصح لساناً منه، وعن هذا يقول عز وجل: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}(القصص:34)

أهمية الكلمة وخطورتها
جاء في مرقاة المفاتيح أن العبد لا يعرف قدر الكلمة التي يتلفظ بها، ويظنها هينة، قليلة الاعتبار، وهي عند الله عظيمة الاقتدار، والمعنى لا يجد لها عظمة عنده، ولا يلتفت عاقبتها عند ربه، وفيه حث على التدبر والتفكر عند التكلم، فالمتكلم يظن أنه لا يلحقه بأس وتعب في قول الكلمة أولاً، ولا يحضر باله؛ أي قلبه لما يقوله منها، أو هو من قولهم ليس هذا من بالي، أو مما أباليه، والمعنى أنه يتكلم بكلمة الحق، يظنها قليلة، وهي عند الله جليلة، فيحصل له.(مرقاة المفاتيح، 9/53)
والقرآن الكريم تطرق إلى بيان أهمية الكلمة، حين تستخدم في خدمة الحق والخير، وخطورتها حين تستخدم في الشر والباطل والإثم، ومن نماذج الكلمة الطيبة كلمة التقوى، التي ذكرها الله في قوله عز وجل: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}(الفتح: 26)
وبراءة إبراهيم من الشرك، جعلها كلمة باقية في عقبه، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ* إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ* وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الزخرف:26-28)
والرسول، صلى الله عليه وسلم، حدد غاية الجهاد في سبيل الله، بالذي يكون هدفه إعلاء كلمته سبحانه، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)
أما الكلمة الخبيثة الضالة، فذكر الله من نماذجها في قوله عز وجل: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً}(الكهف:4-5)
فهذه مقدمة عن اللسان، وأنواع الكلمات، التي ينطق بها، عسى أن ييسر الله عز وجل متابعة الوقوف عند جوانب أخرى من متعلقات هذا الموضوع، حسب ما جاء في القرآن الكريم، وفي سنة نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
18 شوال 1440هـ

تاريخ النشر  2019-06-21
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس