.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحدث عن هلاك كسرى وقيصر  

==========================================================

 عن جَابِرِ بن سَمُرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا هَلَكَ قَيْصَرُ، فلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وإذا هَلَكَ كِسْرَى، فلا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا في سَبِيلِ اللَّهِ) (صحيح البخاري)
قوله: (كِسرى) بكسر الكاف، ويجوز الفتح، وهو لقب لكل من ولي مملكة الفرس، و(قيصر) لقب لكل من ولي مملكة الروم، وقد استشكل هذا مع بقاء مملكة الفرس؛ لأن آخرهم قتل في زمن عثمان، واستشكل أيضاً مع بقاء مملكة الروم، وأجيب عن ذلك بأن المراد لا يبقى كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، وهذا منقول عن الشافعي، ويذكر أن سبب ذكر هذا الحديث أن قريشاً كانوا يأتون الشام والعراق تجاراً، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما؛ لدخولهم في الإسلام، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك لهم؛ تطييباً لقلوبهم، وتبشيراً لهم، بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين المذكورين. (فتح الباري، 6/625ـ 626)
والمستضعفون في الأرض، بحاجة إلى أن يستلهموا من نفحات هذا الحديث وأمثاله، ما يعزز الإيمان بتحقق وعد الله الحق، الذي قطعه على نفسه سبحانه بأن ينصر المؤمنين، حيث قال جل شأنه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم: 47)
بل إن الله جل في علاه وعد بأن يكون نصر المؤمنين قريباً، فقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (البقرة: 214)
وقد أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن امتداد ملك هذه الأمة وسعة نفوذها، فعن ثَوْبَانَ، قال: قال رسول، اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زوى لي منها، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ). (صحيح مسلم)
وفي شرح النووي على صحيح مسلم أن معنى زوى جمع، وأن هذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله، كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وأن المراد بالكنزين الذهب والفضة، والمراد كنزى كسرى وقيصر، ملكي العراق والشام. (صحيح مسلم بشرح النووي، 18/13)

تحقق هلاك كسرى وملكه
ورد في شرح معاني الحديث المذكور أعلاه، أن الهلاك في كسرى عام، وفي قيصر خاص؛ لأن معنى الحديث لا قيصر بعده في أرض الشام، وقد دعا النبي، صلى الله عليه وسلم، لقيصر لما قرأ كتابه أن يثبت الله ملكه، فلم يذهب ملك الروم أصلاً، إلاَّ من الجهة التي خلا منها، وأما كسرى، فإنه مزق كتابه، صلى الله عليه وسلم، فدعا عليه أن يمزق ملكه كل ممزق، فانقطع إلى اليوم، وإلى يوم القيامة. (عمدة القاري، 14/275)
ومن الأخبار المروية بهذا الشأن، ما رواه ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس، أخبره: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَعَثَ بِكِتَابِهِ إلى كِسْرَى، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، يَدْفَعُهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إلى كِسْرَى، فلما قَرَأَهُ كِسْرَى مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابن الْمُسَيَّبِ، قال: فَدَعَا عليهم رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) (صحيح البخاري)
وعبارة (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابن الْمُسَيَّبِ قال): قالها الراوي ابن شهاب. (الطبقات الكبرى، 4/189)

لا كسرى بعده ولا قيصر
في قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وإذا هَلَكَ كِسْرَى، فلا كِسْرَى بَعْدَهُ) كلمة (لا) هنا بمعنى ليس. (عمدة القاري، 15/41)
قال الخطابي: معناه فلا قيصر بعده يملك مثل ما يملك، وذلك أنه كان بالشام، وبها بيت المقدس، الذي لا يملك على الروم أحد إلا كان قد دخله، إما سراً وإما جهراً، فانجلى عنها قيصر، واستفتحت خزائنه، ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعده، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (هلك كسرى) تحقق وقوع ذلك، حتى عبر عنه بلفظ الماضي، وإن كان لم يقع بعد، للمبالغة في ذلك. (فتح الباري، 6/626)

اقتسام كنوز كسرى وقيصر
غنم المسلمون كنوز كسرى وقيصر، إيذاناً بتحقق نبوءة النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي بشرهم بتقاسم كنوزهما وإنفاقها، كما ورد في حديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ أعلاه: (...وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا في سَبِيلِ اللَّهِ) (صحيح البخاري)
وجاء في رواية صحيحة عن أبي هُرَيْرَةَ: (...وَلَتُقْسَمَنَّ كنوزهما في سَبِيلِ اللَّهِ ...) (صحيح البخاري)
قوله: (ولتقسمن) على صيغة المجهول، وهكذا جرى؛ اقتسم المسلمون كنوزهما في سبيل الله، وهذه معجزة ظاهرة، والكنوز جمع كنز، وهو المال المدفون، والذي يجمع ويدخر. (عمدة القاري، 14/275)
وروي أنه لما قدم على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ما أصيب من العراق، قال له صاحب بيت المال: أنا أدخله بيت المال، قال: لا ورب الكعبة، لا يؤوى تحت سقف بيت حتى أقسمه، فأمر به، فوضع في المسجد، ووضعت عليه الأنطاع، وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار، فلما أصبح غدا معه العباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، أخذ بيد أحدهما، أو أحدهما أخذ يده، فلما رأوه، كشطوا الأنطاع عن الأموال، فرأى منظراً لم ير مثله، رأى الذهب فيه، والياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ يتلألأ، فبكى، فقال له أحدهما: إنه والله ما هو بيوم بكاء، ولكنه يوم شكر وسرور، فقال: إني والله ما ذهبت، حيث ذهبت، ولكنه والله ما كثر هذا في قوم قط، إلا وقع بأسهم بينهم، ثم أقبل على القبلة، ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً، فإني أسمعك تقول سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، ثم قال: أين سراقة بن جعشم؟ فأتي به أشعر الذراعين، دقيقهما، فأعطاه سواري كسرى، فقال: ألبسهما، ففعل، فقال: قل: الله أكبر، قال: الله أكبر، قال: قل: الحمد لله، الذي سلبهما من كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن جعشم، أعرابياً من بني مدلج، وجعل يقلب بعض ذلك بعضاً، فقال: إن الذي أدى هذا لأمين، فقال له رجل: أنا أخبرك أنت أمين الله، وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا، قال: صدقت، ثم فرقه، قال الشافعي: وإنما ألبسهما سراقة؛ لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لسراقة: ونظر إلى ذراعيه، كأني بك قد لبست سواري كسرى، قال: ولم يجعل له إلا سوارين، قال الشافعي: أخبرنا الثقة من أهل المدينة، قال: أنفق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على أهل الرمادة حتى وقع مطر، فترحلوا، فخرج إليهم عمر، رضي الله عنه، راكباً فرساً، فنظر إليهم، وهم يترحلون بظعائنهم، فدمعت عيناه، فقال رجل من بني محارب بن خصفة: أشهد أنها انحسرت عنك، ولست بابن أمة، فقال له عمر، رضي الله عنه: ويلك، ذلك لو كنت أنفقت عليهم من مالي، أو من مال الخطاب، إنما أنفقت عليهم من مال الله عز وجل. (سنن البيهقي الكبرى، 6/357)
فإذا كان سبب إخبار الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن هلاك كسرى وقيصر، وانقطاع أثرهما وملكهما، يعود إلى طمأنة الذين توجسوا من أن تنقطع بهم السبل إلى الشام والعراق، بسبب احتلالهما من قبل الدولتين العظميين آنذاك الفرس والروم، فإن المسلمين اليوم بأمس الحاجة إلى طمأنة مشابهة لقلوبهم، وقوى العالم تتصارع على سلبهم الثروات، وبسط اليد على أراضيهم، والنفوذ عليهم، فإن الله الذي نصرهم على دولتي الفرس والروم، قادر على أن ينصرهم على قوى الظلم والبطش والطغيان، فهو الله أكبر، وهو على كل شيء قدير، والنصر من لدنه قريب قريب، فينبغي أن يبلغ إيماننا بهذه الحقائق العقائدية، ما بلغ به إيمان الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
29 ربيع الآخر 1438هـ

تاريخ النشر  2017-01-27
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس