.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحدث عن الخذلان والتعاضد  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هاهنا، وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله)
في ظل العدوان الغاشم الذي يتعرض له المسجد الأقصى المبارك، حيث منع الظالمون إقامة الصلوات الخمس، والجمعة، ورفع الأذان فيه، وحرم رواده من أداء واجب شد الرحال إليه، فصلوا الخمس في أقرب الأماكن قرباً منه، من التي سمح لهم بوصولها، وارتقى الشهداء من خيرة شبابه إلى الباري سبحانه، محققين شعار: بالروح بالدم، نفديك يا أقصى، بأرواحهم ودمائهم التي أريقت في أكنافه، فطوبى لهم، وحسن مقام عند ربهم، وهو القائل سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} (البقرة: 154) وأكد في الآية 169 من سورة آل عمران أنهم {أحياء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
في ظل هذا العدوان الصارخ الذي تبث تفاصيله وصوره وأخباره بالصوت والصورة الفضائيات أولاً بأول، يجد المسجد الأقصى وللأسف ردوداً فاترة باهتة، لا ترقى إلى مستوى بشاعة العدوان، ولا ترد له لهفة، ولا تبلسم له جراح، من مسلمي العالم وعربهم المنتشرين في أنحاء المعمورة، إلا من رحم الله، ومنهم أبناء القدس والقاطنون في محيطه وأكنافه، من الذين أنعم الله عليهم بحبه، والوفاء بعهدهم له بالفداء والمرابطة في جنباته، وعلى أبوابه، وفي الأزقة المحيطة به، فمن هؤلاء يشع نور الأمل، وتبدو ملامح العز والإباء، في وقت عزت فيه هذه المعاني، وبهتت صورها في واقع المسلمين عموماً وحتى في أذهانهم، فغابت عن المسجد الأقصى كما غيره من مواضع الحاجة الماسة إلى النخوة والشهامة، وفاحت روائح الخذلان من مواقف الذين انسلخوا عن جلدهم، ورضوا بالدنية في دينهم وواقعهم وأوطانهم، فالمس بحرمة المسجد الأقصى لم يعد مجرد مخاوف، وإنما انكشفت العورات، وسقطت أوراق التوت عنها، وها هو حزين لخلوه من المصلين، وغياب صوت الأذان عنه، ومسلمو العالم يعلمون ويشاهدون، وتلامس أسماعهم صيحات مسرى نبيهم، صلى الله عليه وسلم، وقبلتهم الأولى، دون أن تجد في عامتهم وخاصتهم نخوة الغوث، التي تنطق بحالها ومقالها: لبيك يا أقصى، لبيك يا مسرى خير الأنام وخاتم النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه، الذي نفى عن المؤمنين خذلانهم إخوانهم، فما بالكم إذا كان الخذلان حاصل تجاه ثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة الله بعد المسجد الحرام؟! إنها الجريمة النكراء بعينها، بل هو المنكر الأعظم، لأنه يتساوق مع أفعال أظلم الظلمة، الذين قال الله تعالى فيهم: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة: 114)
وهنا يتساءل المرء في سره وعلنه، كيف تغيب هذه المعاني والقيم عن بال المسلمين وسلوكهم، وهم يشاهدون ما يجري لإخوانهم وأقدس مقدساتهم؟! كيف يتناسون بشاعة خذلان قبلتهم الأولى، والتقاعس عن نصرة المظلومين والمستضعفين منهم؟! كيف يتناسون أنهم وفق معايير دينهم كالبنيان المرصوص، وكالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟!

نصرة المظلوم
من أبسط الحقوق التي تجب على المسلم تجاه إخوانه، أن ينصرهم ضد ظالميهم، ففي الحديث الصحيح عن الْبَرَاء بن عَازِبٍ، رضي الله عنهما، قال: (أَمَرَنَا النبي، صلى الله عليه وسلم، بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عن سَبْعٍ، فذكر عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلامِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب نصر المظلوم)
فنصرة المظلوم من المأمورات الشرعية لا من مندوباتها ولا من نوافلها، فهو حق للمسلم على إخوانه الذين يجدون لديهم سعة لنصره على أعدائه، بل إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ذهب إلى أبعد مدى في ترسيخ مبدأ لزوم نصر المسلمين من إخوانهم، فجعل ردع الظالم منهم عن ظلمه شكلاً من أشكال نصره، فقال: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أو مَظْلُومًا، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ هذا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قال: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً)
والله تعالى أنكر على المتخاذلين عن نصر المستضعفين، فقال عز وجل: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} (النساء:75)
فكيف لعلماء الأمة وأبنائها عربهم وعجمهم أن يمروا على هذه الحقائق الدينية مرور الكرام، ويتهاونوا في نصر أقصاهم، والمرابطين حوله وفي أكنافه من إخوانهم؟! هل تقبل عند الله أعذارهم أو تأويلاتهم؟ هل يقبل منهم التساوق مع تفسيرات المحتلين لأرضهم ومقدساتهم ومسترقي إخوانهم، فيردد بعض من ألقيت على عيونهم الغشاوة كلاماً يصعب فهمه ولا هضمه وفق معايير الإسلام والإنسانية السوية؟! فالمطلوب ليس حرباً ظالمة، ولا عدواناً على أبرياء، فالله لا يحب المعتدين، وإنما المطلوب إنقاذ رازحين تحت وطأة ظلم الظالمين، وتطهير مسجد من أبرز مساجد المسلمين، وقبلتهم الأولى ومسرى نبيهم، صلى الله عليه وسلم، ومعراجه إلى السماء، وأحد ثلاثة مساجد حصر شد الرحال المشروع إليها دون سواها من مساجد الدنيا، التي يصعب عدها وحصرها، وثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة الله في الأرض بعد المسجد الحرام، ماذا سيجيب مسلمو الدنيا عن شكوى المسجد الأقصى: كل المساجد طهـرت و أنا على شرفي أدنس؟!!!!

المؤمن للمؤمن كالبنيان
لا تقف المعاني المتساوقة مع لزوم نصر المسجد الأقصى ورواده والمرابطين على ثغوره عند ما سبق ذكره، بل تتضافر معها قيم نبيلة أخرى، كالتي تؤكد طبيعة العلاقة بين المؤمن وإخوانه، فهو لهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، كما جاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، ثُمَّ شَبَّكَ بين أَصَابِعِهِ ...) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً)
وهنا يشرع السؤال عن فهم مسلمي الدنيا لمعنى البنيان المذكور في هذا الحديث الشريف، وعن تطبيق مفهومه على مواقفهم تجاه المسجد الأقصى وحراسه وسدنته ورواده والمرابطين في أكنافه وعلى أبوابه، هل يا ترى سيعذرون لتخليهم عن تطبيق معاني شد البنيان بعضه بعضاً حين يتعاملون مع قضية مصيرية للأمة، كقضية المسجد الأقصى، وما يجري في تفاصيلها من انتهاكات لحرمات الإسلام والمسلمين؟! هل يقبل التهوين من شأن هذه القضية لدرجة الغفلة عنها، والاكتفاء في أحسن الأحوال بمتابعة أخبار ما يجري، كما يتابع هواة الرياضة وعشاقها أخبار الدوريات الرياضية؟!! وبعض المسلمين لم يقفوا عند حد هذا الخوار بل تعداه إلى حد تسويغ ما يجري، وإلقاء الملامة على الرازحين تحت وطأة حراب السجّان، وظلمه وبطشه وعدوانه، منطلقين من آفاق شديدة في الضيق، وبخاصة تلك المنتنة التي تفوح من العصبيات البغيضة، والعنصريات الضحلة.

المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد
المؤمن للمؤمن ليس فقط كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وإنما هو كذلك كالجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، حسب قول رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ، تَدَاعَى له سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم)
ما سبق ذكره من المعاني والقيم وفق ما ثبت في الكتاب والسنة، يحسن بالمسلمين جميعاً أن يذكروه كما يذكرون صلاتهم، وصيامهم، وزكاتهم، وحجهم، فالأمر جلل، والخطب عظيم، يتعلق بمسؤولية المسلمين أجمعين، وليس أبناء القدس وفلسطين فحسب، لأن المقصود إنقاذ المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى، ومسرى نبيهم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
5 ذو القعدة 1438هـ

تاريخ النشر  2017-07-28
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس