.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين للعالمين منزلة المسجد الأقصى عند المسلمين  

==========================================================

 عن أَبي ذَر، رضي الله عنه، قال: قلت: (يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلَ؟ قال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قال: قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: المَسْجِدُ الأَقْصَى، قلت: كَمْ كان بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فإن الْفَضْلَ فيه (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب منه)
المسجد الأقصى المبارك بموجب هذا الحديث النبوي الشريف، ثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة رب البرية عز وجل، وهذه الحقيقة التاريخية والدينية تدل على علو المنزلة، التي يحتلها هذا المسجد عند الله، فالمساجد في الأرض كثيرة، وبقاع البسيطة التي تحتضنها منتشرة في أنحاء المعمورة، فليست مصادفة أن يسبقها المسجد الأقصى في الوجود بعد أربعين سنة من وجود المسجد الأعظم الذي سماه الله بالحرام والمحرم والعتيق، ويمكن لأي عاقل أن يدرك أثر إيمان المسلم بهذه الحقيقة في تعميق وشائج الصلة بينه وبين هذا المسجد الذي يضرب وجوده في أعماق التاريخ، وهذا الارتباط لا يقف عند حدود التراث، بل يتعدى ذلك إلى مجال العبادة التي هي غاية وجود العالمين، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)
فاختيار الله المسجد الأقصى لهذا السبق التاريخي في الوجود على وجه البسيطة، يثير في أذهان المتدبرين تساؤلات عن أسرار هذا الاختيار، ودلالاته على تجذر قداسة هذا المسجد والبقعة المباركة التي تشرفت به، ومن أسرار هذا الاختيار الذي تم الإخبار الصادق عنه في صدر الإسلام، المكانة العظيمة التي يحظى بها في ميزان الله والإسلام، ولدى المسلمين أينما وجدوا وحلوا.

الإسراء إليه والمباركة حوله
مما يزيد من ارتباط المسلمين بالمسجد الأقصى المبارك، ذلك الربط العقائدي الرباني الذي تم بأمر الله عز وجل وإرادته سبحانه وفعله، فقد أسرى الله برسوله الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام في مكة المكرمة، إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس ليلاً، في حادثة فريدة أخبر الله عنها في فاتحة سورة الإسراء، فقال عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الإسراء: 1)
ودائماً يتحدث المسلمون ودعاتهم عن حكمة عظيمة، تجلت في هذه الحادثة المباركة، والمتمثلة في الربط بين المسجد الحرام الذي وجد أولاً على وجه الأرض، وبين المسجد الأقصى، الذي وجد ثانياً على وجهها، وكان يمكن أن يتم المعراج إلى السماء من المسجد الحرام مباشرة، إلا أن الإسراء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أولاً، يدل على تجذر الصلة بين هذين المسجدين العظيمين، فهي صلاة تاريخية وعقائدية بامتياز، أوجدها الله ورعاها، وسيبقى يرعاها إلى أن يرث الأرض وما عليها، رغم أنف الكارهين والمغرضين والمتربصين بالإسلام ومساجده السوء والشر، وهو القائل جل في علاه: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً* وَأَكِيدُ كَيْداً* فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} (الطارق: 15-17)

قبلة المسلمين الأولى
لم يقف الربط العقائدي بين المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد الأقصى في فلسطين، عند الترتيب الزماني المتعلق بوجودهما، وعند حادثة الإسراء الموثقة في التاريخ المشاهد، وآيات الله المحكمة التي نزل بها الروح الأمين على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وإياهم صلوات الله وسلامه، بل هناك ربط آخر موثق أيضاً، لا يقل في أهميته عن الربطين السابقين، ذلكم المتعلق في قبلة صلاة المسلمين، فقد كانت في بداية الإسلام نحو بيت المقدس، ثم تم تحويلها بأمر الله ومشيئته لتصبح نحو الكعبة المشرفة في البيت الحرام، وهنا يرد تساؤل عن دلالات وجود قبلة أولى والتحول عنها إلى استقبال الكعبة المشرفة، فالمسألة تشير إلى صلة وثيقة بين المكانين وموضوعها قضية تتعلق بعبادة المسلم، التي تتكرر من قبله في اليوم والليلة مرات عدة، فإن مسلمي الدنيا السالفين والحاضرين والقادمين يتوجهون في صلاتهم تجاه القبلة، فهل يا ترى يغفلون عن قبلتهم الأولى، التي ذكرها القرآن الكريم في أكبر سوره، فقال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (البقرة: 142)، ويقول تعالى: {...وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 143)، فالقبلة التي كان عليها الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون هي بيت المقدس، قبل أن يتم تحولهم عنها إلى البيت الحرام في مكة المكرمة، بأمر الله جل في علاه، ومن الروايات الصحيحة المثبتة لهذا التحويل، ما جاء عن الْبَرَاءِ، قال: (لَمَّا قَدِمَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْمَدِينَةَ، صلى نحو بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ، أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكان يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إلى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {قد نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فَوُجِّهَ نحو الْكَعْبَةِ، وَصَلَّى معه رَجُلٌ الْعَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَمَرَّ على قَوْمٍ من الأَنْصَارِ، فقال: هو يَشْهَدُ، أَنَّهُ صلى مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ قد وُجِّهَ إلى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا، وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلاةِ الْعَصْرِ). (صحيح البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام)

شد الرحال إليه
من الأمور الرئيسة التي بين من خلالها الرسول، صلى الله عليه وسلم، مكانة المسجد الأقصى في الإسلام، تشريع شد الرحال إليه، وإلى المسجدين الأعظمين الحرام والنبوي، فعن أبي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النبي، صلى الله عليه وسلم: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِي هذا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) (صحيح مسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)
فلا يشرع شد الرحال إلى مسجد في الدنيا تعبداً وطلباً للثواب، إلا إلى هذه المساجد الثلاثة دون سواها، ووجود المسجد الأقصى معها يدل على مكانته الرفيعة، ومنزلته العالية، فكيف للمسلمين أن يغفلوا عن نصرته وحمايته، وهم يبذلون الجهود السنوية لشد الرحال إلى أخويه خلال قصدهما في مواسم الحج والعمرة؟! إن غفلتهم عنه يرفضها الإسلام والمسلمون، ويرفضها أحرار الخلق، لعظم حقه عليهم، فهو يتعرض للتدنيس يقبع تحت حراب الظالمين، والمسلمون في أنحاء الدنيا يشاهدون جراحه ودماءه النازفة، ويسمعون أناته، ويأكلون ويشربون ويلهون عنه لهو الغافلين، الذين لا نتوقع أن يقل تأنيبهم عن تقريع المقصرين في نصرة المستضعفين من المسلمين، الذين قال الله تعالى فيهم: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} (النساء: 75)
فالمسجد الأقصى المبارك صاحب الفضائل سالفة الذكر، والمنازل الرفيعة عند الله والمسلمين، يتعرض في هذه الأيام إلى محن صعبة، وفواصل تاريخية فظيعة، وللأسف دون أن يحرك المسلمون ساكناً مُعتبراً لنصرته، إلا من رحم ربي منهم، والمطلوب منكم أهل بيت المقدس وأكنافه أن لا تحبطوا، وأن لا تتهاونوا في بذل الجهود المضنية لشد الرحال إلى مسجدكم الأقصى، والرباط فيه، والله تعالى يأمر بالصبر والمصابرة والرباط، فيقول جل في علاه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)
وعن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ من الْجَنَّةِ، خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أو الْغَدْوَةُ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله)
ففضل الرباط عموماً عظيم، فكيف إذا كان في رحاب المسجد الأقصى المبارك وحوله؟!! إنه بلا ريب سيكون أعظمَ، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا الهادي، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
27 شوال 1438هـ

تاريخ النشر  2017-07-21
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس