.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين فضل عرفة والنحر والأضحى

==========================================================

 عن رَسُول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من يَوْمٍ أَكْثَرَ من أَنْ يُعْتِقَ الله فيه عَبْدًا من النَّارِ من يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ المَلائِكَةَ، فيقول: ما أَرَادَ هَؤُلاءِ)(صحيح مسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة)
في الحديث أعلاه بيان لفضل يوم عرفة، وأكبر هدايا الله للحجاج فيه، فهو أكثر الأيام شهوداً لنعمة العتق من النار، التي يتفضل الله بمنحها للتائبين المنيبين من عباده، وهم هنا حجاج بيته العتيق، الذين أفاضوا من عرفة، مستغفرين ملبين، استجابة لأمر رب العالمين، حيث يقول تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ* ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(البقرة:198-199)

صيام يوم عرفة
في الوقت الذي ينشغل فيه حجاج بيت الله الحرام، بالذكر، والدعاء، والاستغفار، والتلبية، والصلاة، وتلاوة القرآن، خلال وقوفهم في عرفة، وهو الركن الأكبر للحج، فإن غيرهم من المسلمين يشاركونهم كثيراً من تلك الشعائر، إضافة إلى صيامهم يوم عرفة على سبيل التطوع، رجاء أن ينالوا مثوبة ذلك، كما جاء في الحديث الصحيح، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (سُئِلَ عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فقال: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ...)(صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر)

يوم النحر والأضحى
اليوم التالي ليوم عرفة هو يوم النحر، الذي يؤدي فيه الحجاج عدداً من أعمال الحج، فيرمون جمرة العقبة الكبرى، وينحرون هديهم أو يذبحون، ويتحللون من إحرامهم، فيحلقون أو يقصرون، ويلبسون المخيط، وبعضهم يطوف الإفاضة، ويتحلل بهذا الطواف التحلل الأكبر، أما غير الحجاج من المسلمين فيحتفلون في هذا اليوم بأول أيام عيد الأضحى المبارك، فيصلون صلاة العيد، التي يبدأ بعدها وقت نحر الأضاحي أو ذبحها، حسب أمر رب العالمين، حيث يقول تعالى:(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}(الكوثر:1-2)، فشرط على المضحي أن يبدأ بالتضحية بعد صلاة العيد، فعن جُنْدَبٍ، قال: (صلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، فقال: من ذَبَحَ قبل أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لم يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ)(صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد)
وعن الْبَرَاءِ، قال: (سمعت النبي، صلى اله عليه وسلم ، يَخْطُبُ، فقال: إِنَّ أَوَّلَ ما نَبْدَأُ من يَوْمِنَا هذا، أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ
نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا)(صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب سنة العيدين لأهل الإسلام)
ومما أُثر من أعمال نبينا الهادي، صلى الله عليه وسلم، يوم النحر، خطبته المشهورة بخطبة الوداع، والتي حثّ فيها على امتثال قيم إيمانية وأخلاقية نبيلة، فعن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: (قال النبي، صلى الله عليه وسلم، بِمِنًى، أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هذا؟ قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فقال: فإن هذا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هذا؟ قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هذا؟ قالوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: شَهْرٌ حَرَامٌ، قال: فإن اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، وقال هِشَامُ بن الْغَازِ: أخبرني نَافِعٌ عن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، وَقَفَ النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم النَّحْرِ بين الجَمَرَاتِ في الْحَجَّةِ، التي حَجَّ بها، وقال: هذا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، فَطَفِقَ النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم اشْهَدْ، وَوَدَّعَ الناس، فَقَالُوا: هذه حَجَّةُ الْوَدَاعِ)(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى)

لطائف عددية في سورة الكوثر
مما خلص إليه المتدبرون في سورة الكوثر ذات الثلاث آيات القصار، تضمنها الأمر بالنحر، الذي يفعله الحجاج والمضحون في العاشر من ذي الحجة، وأيام التشريق التي تليه، وعدد كلمات هذه السورة الكريمة عشرة، الآية الأولى منها تضمنت ذكر عشرة من الحروف الهجائية، وكذلك الثالثة منها، وأكثر الحروف تكراراً فيها هو الألف، وتكرر ذكره فيها 10 مرات، ومجموع الحروف التي لم تذكر فيها سوى مرة واحدة عشرة، وآياتها الثلاث، ختمت بحرف الراء، وترتيبه الهجائي العاشر بين الحروف الهجائية، وعدد سور القرآن، التي تنتهي بحرف الراء عشرة، وخاتمتها سورة الكوثر، فهذه حقائق رقمية، استخلصت من أقصر سور القرآن الكريم، تستدعي التأمل والتدبر، وتعزيز الثقة والإيمان بأن القرآن منزل من رب الأنام، الذي تحدى إنس الخلق وجنهم أن يأتوا بسورة من مثله، ولو اجتمعوا لذلك، فقال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(البقرة: 23)
وسورة الكوثر مشمولة بالتحدي، وإن كانت أقصر سور القرآن الكريم، فالتحدي مثلما هو قائم تجاه الإتيان بأطول سور القرآن، فإنه كذلك قائم بالنسبة إلى أصغرها وأقصرها.
سائلين الله العلي القدير أن يغفر لنا الذنوب والخطايا، وأن يعتق رقابنا وحجاج بيته الحرام من النار، وأن يحشرنا يوم القيامة مع الحبيب محمد، صلى الله وسلم، وبارك عليه وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.
8 ذو الحجة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-08-09
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس