.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين فضل حفظ استحقاقات العمال  

==========================================================

 عن عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: (سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كان قَبْلَكُمْ، حتى أَوَوْا المَبِيتَ إلى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ من الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عليهم الْغَارَ، فَقَالُوا: إنه لا يُنْجِيكُمْ من هذه الصَّخْرَةِ إلا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ ... وقال الثَّالِثُ: اللهم إني اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غير رَجُلٍ وَاحِدٍ، تَرَكَ الذي له، وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ، حتى كَثُرَتْ منه الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فقال: يا عَبْدَ اللَّهِ؛ أَدِّ إليَّ أَجْرِي، فقلت له: كُلُّ ما تَرَى من أَجْرِكَ من الإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالغَنَمِ، وَالرَّقِيقِ، فقال: يا عَبْدَ اللَّهِ؛ لا تستهزىء بِي، فقلت: إني لا أستهزىء بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ، فلم يَتْرُكْ منه شيئاً، اللهم فَإِنْ كنت فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فيه، فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ) (صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيراً فترك الأجير أجره فعمل فيه المستأجر فزاد أو من عمل في مال غيره فاستفضل)
هذا الحديث الصحيح يدل على دور العمل الصالح في تحقيق الفرج من الكرب والشدة، ومن خلال هذه الدلالة تظهر أهمية المحافظة على حقوق العمال والأُجراء في هذا الباب، فصاحب العمل عندما حفظ أجر العامل ومستحقاته المالية التي تعذر عليه أداؤها لصاحبها، وعمل على تنميتها، حضره ظرف ليسأل عنها بعد حين من الزمن، فوجدها قد نمت وزادت، حتى إنه في بادئ الأمر، ظنَّ أن صاحب العمل الذي حضر إليه مطالباً بأجره يسخر منه، لما قال له هذا مالك، فرآه كثيراً يتجاوز قدر أجره الذي يعلمه، وحضر يطلبه، فلما تعرض صاحب العمل لشدة عصيبة، استعرض خير أعماله التي صدرت عنه خلال حياته، فوجد أبرزها وأفضلها ما قام به تجاه أجر العامل الذي تركه، وعاد لأخذه بعد حين، فوجده في الحفظ والصون، زائداً بالاستثمار غير ناقص، فدعا الله بهذا العمل ليفرج كربه، ففرج عنه، بخلاف حال كثير من الناس الذين يستسهلون أكل حقوق أجرائهم، فيقتطعون منها بغير حق، أو يماطلون في صرفها لهم، أو يهضمون بعض حقوقهم المالية المتعلقة بأتعابهم، ومكافآت نهاية خدمتهم، والله تعالى ينهى عن أكل أموال الناس بالباطل، فيقول تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188)، فأخذ أموال الناس منهم دون حق، هو أكل لها بالباطل، وبالإثم والعدوان، وهو طريق محرم ممقوت، ذمه الله تعالى، في سياق ذم أكل السحت، وهو الحرام، فقال عز وجل: {وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(المائدة: 62)
وسلب مستحقات العمال والموظفين، لا يخرج عن إطار معاني الإثم والعدوان، وكذلك التسويف في صرفها لهم، أو الانتقاص من حقوقهم المشروعة.

حكم مكافأة نهاية خدمة العمال والموظفين
الأصل في حقوق العمال أن تنظم في قوانين واضحة وملزمة، حتى لا تخضع للمزاجيات أو الضياع، وفي أيامنا هذه يفترض أن تقوم نقابات العمال ووزارات العمل، بمراقبة ومتابعة تنفيذ قوانين العمل والعمال، وهي كثيرة ومتشعبة، والإسلام يحترم قوانين كل مهنة وأعرافها، ما دام حكم الله لم يخالف فيها، ومن المسائل التي يسأل الناس عنها كثيراً، مكافأة نهاية الخدمة، ومجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين ناقش هذه المسألة، وخلص في قراره رقم 1/99 بتاريخ 28/6/2012 إلى أن تعويض نهاية الخدمة حق مشروع للموظف، كفلته قوانين العمل، وعلى المؤسسة أن تدفع للموظف أتعابه فور إنهاء عمله، ومنع المجلس في قراره الفقهي هذا حصول العامل أو الموظف على تعويض نهاية الخدمة عن طريق الاقتراض من البنوك مباشرة؛ لأن هذا هو الربا المحرم بنص قطعي من القرآن والسنة، فالله تعالى يقول:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:275)، و(لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ) (صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله).
ويمكن للموظف أن يحصل على مكافأة نهاية خدمته عن طريق شيكات مقسطة لعامين أو ثلاثة أو غير ذلك؛ إذ لا حرج في ذلك، ودعا مجلس الإفتاء المؤسسات الموظِّفة إلى منح العاملين والموظفين حقوق نهاية الخدمة من غير تأخير أو تسويف، ودون إلجائهم ليكونوا أطرافاً في معاملات ربوية يحرمها الإسلام.
فحصول الموظف أو العامل على مستحقات نهاية الخدمة، حسب المقرر في القوانين السارية والمعتمدة لذلك، هو حق يضمنه القانون، ويحتاج إليه المنتهية خدمتهم من العمال والموظفين لتصريف شؤون حياتهم، وتقديم نفقاتهم إلى أسرهم التي يعيلونها، فهو حق ينبغي أن يُكفل، بعيداً عن ظلم العامل، أو الإجحاف بحق أرباب العمل، مع التنويه في هذا المقام إلى أن بعض الناس في العالم تفرض المحاكم لديهم مبالغ طائلة على أصحاب العمل لصالح العمال عند تعرض العامل لإصابة عمل، أو عند وقوع أي أذى عليه بسبب العمل أو أربابه، أو عند النظر في مكافأة نهاية خدمته التي قضاها لدى صاحب العمل، والمسلمون جديرون بأداء واجب حفظ حقوق العمال وأدائها لهم، غير منقوصة، ولا منغصة، وهم بحكم ما جاء به دينهم الحنيف أولى من غيرهم بهذا الالتزام تجاه العمال والموظفين.

حقوق المرأة العاملة
من قضايا العمال الجديرة ببيان حكم الشرع فيها، تلك المتعلقة بحقوق المرأة العاملة، إذ ينظر بعض الناس أحياناً إلى تلك الحقوق بانتقاص أو ازدراء أو إنكار، من منطلق النظرة السلبية إلى خروج المرأة إلى العمل خارج البيت، علماً أن هذا الخروج مشروع ضمن ضوابط قررها ديننا الحنيف، مثل المحافظة على الحشمة والوقار، وتجنب السفور، والخلوة المحرمة بالرجال، فإذا ما تولت المرأة عملاً مشروعاً، فينبغي أن تحصل على الحقوق التي تعطى للرجل حين يقوم بمثله، ومن الشواهد القرآنية على خروج المرأة إلى العمل الذي يقوم به الرجال، في إطار المحافظة على القيم، والتحلي بالمكارم، ما نزل بشأن المرأتين اللتين لقيهما موسى لما ورد ماء مدين، فقال تعالى بشأن ذلك: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ* فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ...} (القصص:23- 25)
فالمرأتان مارستا مهمة رعي المواشي – وهو عمل يتم خارج نطاق البيوت-، وعند الزحام تجنبتا الانخراط فيه، بل تحليتا بالصبر، فانتظرتا أن يتاح لهما المجال لقضاء مهمتهما دون التلبس بالآثام، فانبرى موسى، عليه السلام -انطلاقاً من شهامته ومروءته- إلى مساعدتهما، وفي المحصلة قضيتا عملهما، ورجعتا إلى والدهما بخبر موسى، الذي سهل لهما قضاء عملهما بيسر واحترام، وهكذا ينبغي أن تجد المرأة العاملة خلال أدائها لأي عمل تخدم فيه مجتمعها وأسرتها، وتتزود من جزائه وأجوره بمال يساعدها على العيش بكرامة، وقضاء حاجاتها، ومساعدة أسرتها من منطلق التعاون على البر والتقوى، بدلاً من تهميش دورها أو تضييق الخناق عليها، أو هضم حقوقها لنظرة أو أسباب ما أنزل الله بهما من سلطان.
فالنساء شقائق الرجال، لهنَّ ما لهم، وعليهنَّ ما عليهم بالمعروف والإحسان، وليس من العدل تخفيض أجور النساء عن مستوى أجور الرجال عن أعمال متشابهة يقوم بها الطرفان.
هدانا الله إلى حفظ حقوق العاملين تحت إمرتنا، لنلقى الله بريئين من حمل وزر أحد منهم، رجلاً كان أم امرأة، متأسين بخير من حفظ حقوق العمال، رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
11 شعبان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-04-27
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس