.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين فضل المتحابين بجلال الله - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ اللَّهَ يقول يوم الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي، يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي) (صحيح مسلم)
الحب كلمة من حرفين عدا أل التعريف، لكنها مليئة بالمعاني والمشاعر، التي تتدفق من قلوب الخلق، ويشير الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الحديث أعلاه الذي يرويه عن رب العزة إلى فضل المتحابين في الله، ويبرز بعض جزائهم عند ربهم، ومعنى قوله: (أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟) أي: أين المتحابون إجلالاً لي، ومحبة فيّ، فمن إجلال الله عز وجل إجلال أوليائه، ومحبتهم، وإذا كان ذكرهم، وذكر فضائلهم عمل بر، فما ظنك بحبهم، وإخلاص الود لهم؟! وعن مسلم بن يسار، قال: مرضت مرضة، فلم يكن في عملي شيء أوثق في نفسي من قوم كنت أحبهم في الله، وعن عبد الله، في قوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:63) قال: نزلت في المتحابين في الله، قال أبو عمر: فمن الحب في الله حب أولياء الله، وهم الأنقياء العلماء الفضلاء، ومن البغض في الله بغض من حاد الله، وجاهر بمعاصيه، أو ألحد في صفاته، وكفر به، وكذب رسله، أو نحو هذا كله. (التمهيد لابن عبد البر، 17/429- 432)
وعن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم: (أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا له في قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ الله له على مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فلما أتى عليه، قال: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قال: أُرِيدُ أَخًا لي في هذه الْقَرْيَةِ، قال: هل لك عليه من نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قال: لا، غير أنّي أَحْبَبْتُهُ في اللَّهِ عز وجل، قال: فَإِنِّي رسول اللَّهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللَّهَ قد أَحَبَّكَ كما أَحْبَبْتَهُ فيه) (صحيح مسلم)
ومعنى (أرصد) في قوله: (فَأَرْصَدَ الله له على مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا) أي أقعده يرقبه، و(المَدرَجة) بفتح الميم والراء، هي الطريق، سميت بذلك؛ لأن الناس يدرجون عليها؛ أي يمضون ويمشون، وقوله:(هل لك عليه من نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟) أي تقوم بإصلاحها، وتنهض إليه بسبب ذلك، وقوله: (بِأَنَّ اللَّهَ قد أَحَبَّكَ كما أَحْبَبْتَهُ فيه) قال العلماء: محبة الله عبده هي رحمته له، ورضاه عنه، وإرادته له الخير، وأن يفعل به فعل المحب من الخير، وأصل المحبة في حق العباد ميل القلب، والله تعالى منزه عن ذلك. (شرح النووي على صحيح مسلم 16/124)

المتحابون في الله مع السبعة الذين يظلهم الله بظله
جاء في الحديث القدسي المذكور أعلاه، أن الله جل في علاه، يجازي المتحابين في جلاله، بأن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومعنى قوله: (في ظل الله) أي في ظل عرشه، وقد يكون الظل كناية عن الرحمة، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} (المرسلات:41) يعني بذلك ما هم فيه من الرحمة والنعيم، وقال تعالى: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} (الرعد: 35)
وقد يكون كناية عن العذاب، كما قال عز وجل: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ* لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ}. (الواقعة:43-44)
ومن كان في ظل الله يوم الحساب، وقيَ شر ذلك اليوم، جعلنا الله برحمته من المتحابين فيه، ولوجهه، المستقرين تحت ظله، يوم لا ظل إلا ظله، فإن ذلك من أفضل الأعمال، وأكرم الخلال. (التمهيد لابن عبد البر، 17/429- 432)
وجاء في غير مسلم: (ظل عرشي) قال القاضي: ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهج الموقف، وأنفاس الخلق، قال: وهذا قول الأكثرين، وقيل معناه كفه من المكاره، وإكرامه، وجعله في كنفه وستره، وقيل: يحتمل أن الظل هنا عبارة عن الراحة والنعيم، يقال: هو في عيش ظليل؛ أي طيب. (شرح النووي على صحيح مسلم، 16/123)
فالله جل في علاه يعد المُتَحَابّينَ بِجَلالِه بأن يظِلهُمْ في ظِلِّه، يوم لا ظِلَّ إلا ظِله، وهذا الوعد أكده النبي، صلى الله عليه وسلم، لما أخبر عن الأصناف السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فعن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ الله في ظِلِّهِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ، الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمَعَا عليه وَتَفَرَّقَا عليه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فقال: إني أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى؛ حتى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ، ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ). (صحيح البخاري)
جاء في عمدة القاري، أن لفظ تَحَابَّا في قوله: (وَرَجُلانِ تَحَابَّا) بتشديد الباء، وأصله تحاببا، فلما اجتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول منهما، وأدرج في الثاني، وهو حد الإدغام، وهو من باب التفاعل، فقوله (تحابا) عبارة عن معنى حصل عن تعلق حابب، والمحبة أمر نسبي، فلا بدَّ لها من المنتسبين، فلذلك قال: (رجلان) وقوله: (في اللَّهِ) أي لأجل الله، لا لغرض دنيوي، وكلمة (في) قد تجيء للسببية، وقوله: (اجْتَمَعَا عليه)؛ أي على الحب في الله، والضمير في (عليه) يعني كان سبب اجتماعهما حب الله، والاستمرار عليه، حتى تفرقا من مجلسهما، ولا يحتاج إلى قوله: (حتى تفرقا من مجلسهما) بل المعنى أنهما داما على المحبة الدينية، ولم يقطعاها بعارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة، أم لا، حتى فرق بينهما الموت. (عمدة القاري، 5/178- 179)

التحاب في الله شرط للإيمان ودخول الجنة
التحاب في الله ذو صلة بالإيمان وتداعياته وثماره، فلا يكتمل إيمان دون تحاب في الله، فعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حتى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ) (صحيح مسلم)
فدخول الجنة يثمره الإيمان، والذي بدوره يعززه التحاب، ومعنى قوله: (ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا) أي لا يكمل إيمانكم، ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب، ولا يدخل الجنة، إلا من مات مؤمناً، وإن لم يكن كامل الإيمان، فهذا هو الظاهر من الحديث، وأرشد عليه الصلاة والسلام على إتيان ما يصلح حال التحاب بين المؤمنين، وذلك من خلال إفشاء السلام بينهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ) وفي هذا حث عظيم على بذل السلام للمسلمين كلهم، من عرفت، ومن لم تعرف، والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه ونشره تكمن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس، ولزوم التواضع، وإعظام حرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري، رحمه الله، في صحيحه عن عمار بن ياسر، رضي الله عنه، أنه قال: (ثَلَاثٌ من جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ من نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ من الْإِقْتَارِ)( صحيح البخاري) وبذل السلام للعالم، والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وإفشاء السلام، كلها بمعنى واحد، وفيها لطيفة أخرى، وهي أنها تتضمن رفع التقاطع، والتهاجر، والشحناء، وفساد ذات البين، التي هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه، ولا يخص أصحابه وأحبابه به، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. (شرح النووي على صحيح مسلم، 2/36)
مما سبق يتضح أن المتحابين في جلال الله، يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، سائلين الله العلي القدير أن يؤلف بين قلوب المؤمنين، وأن يهدي قلوبهم إلى التحاب في جلاله الكريم، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى مع متابعة قراءة النصوص الشرعية، والمواقف السليمة عن الحب في الله، وصلى الله على رسولنا محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
13 جمادى الأولى 1438هـ

تاريخ النشر  2017-02-10
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس