.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين فضل العشر من ذي الحجة  

==========================================================

 عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قال: (ما الْعَمَلُ في أَيَّامٍ أَفْضَلَ منها في هذه؟ قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: ولا الْجِهَادُ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق)
جاء في عمدة القاري أن أيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبت بهذا الحديث أفضلية أيام العشر، وثبت أيضاً بذلك أفضلية أيام التشريق.
وعن ابن بطال أن العمل في قوله: (ما العمل) يعني التكبير المسنون في أيام التشريق، وهو أفضل من صلاة النافلة؛ لأنه لو كان هذا الكلام حضاً على الصلاة والصيام في هذه الأيام لعارضه: إنها أيام أكل وشرب، وقد نهى عن صيام هذه الأيام، وهذا يدل على تفريغ هذه الأيام للأكل والشرب، فلم يبق تعارض إذا عنى بالعمل التكبير، ورد عليه بأن الذي يفهم من العمل عند الإطلاق العبادة، وهي لا تنافي استيفاء حظ النفس من الأكل وسائر ما ذكر، فإن ذلك لا يستغرق اليوم والليلة، وقال الكرماني: العمل في أيام التشريق لا ينحصر في التكبير، بل المتبادر منه إلى الذهن أنه هو المناسك من الرمي وغيره، الذي يجتمع بالأكل والشرب، مع أنه لو حمل على التكبير، لم يبق لقوله في صحيح البخاري، بعده باب التكبير أيام منى معنىً، ويكون تكراراً محضاً، ورد عليه بعضهم بأن الترجمة الأولى لفضل التكبير، والثانية لمشروعيته، أو صفته، أو أراد تفسير العمل المجمل في الأولى بالتكبير المصرح به في الثانية، فلا تكرار. وقوله: (منها)؛ أي في هذه الأيام؛ أي في أيام التشريق على تأويل من أوله بهذا.
وقوله: (ولا الجهاد) أي ولا الجهاد أفضل منها، وقوله: ( إلاّ رجلٌ) فيه حذف، أي إلاّ جهادُ رجلٍ، وقوله: ( يخاطر بنفسه) جملة حالية؛ أي يكافح العدو بنفسه وسلاحه وجواده، فيسلم من القتل أو لا يسلم، فهذه المخاطرة، وهذا العمل أفضل من هذه الأيام وغيرها، مع أن هذا العمل لا يمنع صاحبه من إتيان التكبير والإعلان به، وقوله: (فلم يرجع بشيء)؛ أي من ماله، ويرجع هو، ويحتمل أن لا يرجع هو ولا ماله، فيرزقه الله الشهادة، وقد وعد الله عليها الجنة.
ومما يستفاد من هذا الحديث أن فيه تعظيم قدر الجهاد، وتفاوت درجاته، وأن الغاية القصوى فيه بذل النفس لله تعالى، وفيه تفضيل بعض الأزمنة على بعض، كالأمكنة، وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك، فيمن نذر الصيام، أو علق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يوماً منها تعين يوم عرفة؛ لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر. (عمدة القاري، 6/290 - 291)

الليالي العشر
لأهمية العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، أقسم سبحانه بها، فقال عز وجل: {وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ* هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} (الفجر:1-5)
وللمفسرين في المراد من الفجر والليالي العشر ستة أقوال:
أحدها، أنه الفجر المعروف الذي هو بدء النهار.
والثاني، صلاة الفجر.
والثالث، النهار كله فعبر عنه بالفجر؛ لأنه أوله.
والرابع، أنه فجر يوم النحر خاصة.
والخامس، أنه فجر أول يوم من ذي الحجة.
والسادس، أنه أول يوم من المحرم، تنفجر منه السنة.
وقوله تعالى: { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } فيه أربعة أقوال:
أحدها، أنه عشر ذي الحجة، والثاني، أنها العشر الأواخر من رمضان، والثالث، العشر الأول من رمضان، والرابع، العشر الأول من المحرم.
وللمفسرين في قوله: {والشفع والوتر } أقوال كثيرة، منها:
أن الشفع يوم عرفة، ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر، ومنها أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة. (زاد المسير، 9/102 –104)
أيام العشر من ذي الحجة متعددة سواء بالنسبة إلى الحاج أم غيره، ومن الأعمال المشتركة بين الحاج وغيره، الإكثار من ذكر الله فيها، وغير الحاج الذي يريد أن يضحي يترك الحلق والتقصير، فعن أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا دَخَلَت الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أحدكم أَنْ يُضَحِّيَ، فلا يَمَسَّ من شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شيئاً) (صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مزيد التضحية أن يأخذ من شعره)
ولم تثبت سنة صيام أيام العشر جميعها، ففي صحيح مسلم، بَاب صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وفيه عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (ما رأيت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، صَائِمًا في الْعَشْرِ قَطُّ) (صحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، باب صوم عشر ذي الحجة)
وقد بينت روايات صحيحة فضل صيام يوم عرفة، فعن أبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (سُئِلَ عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فقال: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ ...) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر...)
والمقصود هنا غير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صوم يوم عرفة.
أما أعمال الأيام العشر بالنسبة إلى الحاج، ففيها تكون ذروة أعمال الحج، حيث يحرم الحجاج المتمتعون يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، ويصبح بذلك الحجاج جميعهم محرمين، ويتوجهون في اليوم التاسع إلى عرفة، وهو أهم أركان الحج، فالحج عرفة، وفي اليوم الذي يليه، وهو يوم العاشر من ذي الحجة، يبدأ غير الحجاج بذبح الأضاحي، ويؤدون صلاة العيد، والحجاج يذبحون ويرمون جمرة العقبة الكبرى، ويتحللون من الإحرام بالحلق أو التقصير، وبعضهم يطوف الإفاضة، ثم يتابعون بقية أعمال الحج في الأيام التي تلي الأيام العشر.

فصل لربك وانحر
جاء في الحديث الصحيح، عن أَنَسٍ، قال: (بَيْنَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ بين أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: ما أَضْحَكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هو الأَبْتَرُ} ثُمَّ قال: أَتَدْرُونَ ما الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: فإنه نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عز وجل عليه خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عليه أُمَّتِي يوم الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ منهم، فَأَقُولُ: رَبِّ إنه من أُمَّتِي، فيقول: ما تَدْرِي ما أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ؟ زَادَ ابن حُجْرٍ في حَدِيثِهِ بين أَظْهُرِنَا في الْمَسْجِدِ، وقال: ما أَحْدَثَ بَعْدَكَ) (صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة)
وللعلماء في المراد بالأمر بالصلاة والنحر خمسة أقوال، الأول: أنه أمره بالصلاة على الإطلاق وبنحر الهدي والضحايا. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي قبل صلاة العيد، فأمره أن يصلي، ثم ينحر، فالمقصود على هذا تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة. الثالث: أن الكفار يصلون مكاء وتصدية، وينحرون للأصنام، فقال الله لنبيه، صلى الله عليه وسلم: صل لربك وحده، وانحر له؛ أي لوجهه، لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص. الرابع: أن معنى انحر ضع يدك اليمنى على اليسرى عند صدرك في الصلاة، فهو على هذا من النحر؛ وهو الصدر. الخامس: أن معناه ارفع يديك عند نحرك في افتتاح الصلاة. (التسهيل لعلوم التنزيل، 4/220)
فالأيام العشر فضائلها كثيرة وأعمالها كذلك، يكفي أن يعود الحاج في نهاية أداء مناسكه التي أداها فيها بلا ذنوب ولا خطايا، إن حج فلم يرفث ولم يفسق، ومن أبرز ما يعيشه المسلم في الأيام العشر ذكرى الطاعة المطلقة لله التي بدت من إبراهيم، عليه السلام، وولده إسماعيل، والتي توجت بفداء إسماعيل بذبح عظيم، فالحاج يقدم الهدي من الأنعام يوم النحر تقرباً إلى الله تعالى وهو يستذكر فداء إسماعيل وطاعته ووالده رب العالمين، وغير الحاج يذبح أضحيته أو ينحرها يوم الأضحى تماشياً مع تلك الذكرى، وتشاركاً مع إخوانه الحجيج الذين ذبحوا أو نحروا الهدي في منى يوم النحر وأيام التشريق التي تليه.
سائلين الله أن يوفقنا لحسن عبادته وذكره دائماً، وبالأخص في الأيام العشر المباركة القادمة، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على الحبيب محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
23 ذو الحجة 1438هـ

تاريخ النشر  2017-08-25
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس