.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين فضل أيام من ذي الحجة

==========================================================

 عن ابن عَبَّاسٍ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قال: (ما الْعَمَلُ في أَيَّامٍ أَفْضَلَ منها في هذه، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: ولا الْجِهَادُ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)(صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق)
ها نحن على أبواب شهر ذي الحجة للعام 1440 هـ، حيث من المتوقع أن تبدأ أيام عشره الأولى، ذات الفضل والأهمية، وتؤدى فيها بعض أهم أعمال الحج، وفي خاتمتها أي في العاشر من ذي الحجة، يؤدي الحجاج أعمالاً عدة من أعمال الحج، ويمكنهم أن يختموا حجهم في يومي التشريق التاليين له.
وفي الحديث أعلاه، بيان صريح لفضل أيام من ذي الحجة، فالعمل فيها كما جاء فيه، يفضل كثيراً من الأعمال، حتى الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج العبد مخاطراً بنفسه وماله، في سبيل الله، وقد اختلف في المراد بهذه الأيام، فبعض الروايات تدل على أنها العشر من ذي الحجة، وبعضها كرواية ابن عباس أعلاه، قد يفهم منها أنها أيام التشريق التي تلي يوم العاشر من ذي الحجة، والعيني ردَّ على من حدد المراد بالأيام في حديث الباب، أيام عشر ذي الحجة، بأن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبت بهذا الحديث أفضلية أيام العشر، وثبت أيضاً بذلك أفضلية أيام التشريق.(بتصرف عن عمدة القاري، 6/290)

القسم بالليالي العشر والشفع والوتر
افتتح الله سبحانه سورة الفجر المكية بالقسم بالفجر، ثم أتبع ذلك بالقسم بالليالي العشر والشفع والوتر، فقال عز وجل: {وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}(الفجر:1-3)
يقدم الرازي لتفسير المراد بالمقسم بما ذكر في فاتحة هذه السورة الكريمة، بتبرير الخلاف بين العلماء في تحديد ذلك، فيقول: اعلم أن هذه الأشياء التي أقسم الله تعالى بها لا بد وأن يكون فيها إما فائدة دينية، مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد، أو فائدة دنيوية، توجب بعثاً على الشكر، أو مجموعهما، ولأجل ما ذكرناه اختلفوا في تفسير هذه الأشياء اختلافاً شديداً، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين، وأكثر منفعة في الدنيا.(التفسير الكبير، 31/147)
ومما ورد في تحديد المقصود بالليالي العشر، أنها عشر ذي الحجة عند الجمهور، وقيل: العشر الأول من المحرم، وفيها عاشوراء، وقيل: العشر الأواخر من رمضان، وقيل: العشر الأول منه.(التسهيل لعلوم التنزيل 4/196)
أما الشفع والوتر، فالخلاف بين المفسرين في المقصود بهما واسع، ومما أورده الرازي من آراء بالخصوص، أن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، وإنما أقسم الله بهما لشرفهما، أما يوم عرفة، فهو الذي عليه يدور أمر الحج، وأمّا يوم النحر، فيقع فيه القربان، وأكثر أمور الحج من الطواف المفروض، والحلق والرمي، ويروى يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، فلما اختص هذان اليومان بهذه الفضائل، لا جرم أقسم الله بهما، ومن تلك الآراء أن أيام التشريق أيام بقية أعمال الحج، فهي أيام شريفة، قال الله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ...}(البقرة: 203)، والشفع هو يومان بعد يوم النحر، والوتر هو اليوم الثالث، ومن ذهب إلى هذا القول، قال: بأن حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة، من وجهين: الأول، أن العيد وعرفة دخلا في العشر، فوجب أن يكون المراد بالشفع والوتر غيرهما، والثاني أن بعض أعمال الحج إنما يحصل في هذه الأيام، فحمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع أيام أعمال المناسك.(التفسير الكبير، 31/148)

أيام وليالٍ مباركة
رغم الاختلاف في تحديد المراد بالليالي العشر، والشفع والوتر، فالآراء التي ترجح ربطها بالعشر من ذي الحجة ويوم عرفة الذي يسبقه، قوية ومعتبرة، فأي أيام العام ولياليه، تجتمع فيها أعمال فاضلة، كتلك التي تكون في تلك الأيام والليالي المباركة، التي فيها العبادات المعتادة، إضافة إلى قداسة الأمكنة التي تؤدى فيها، ويأتيها ضيوف الرحمن من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويتفضل فيها رب البرية على ضيوفه بالمغفرة، فيعودون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، أي أنهم بالحج يتطهرون من درن الخطايا، ويعودون بعده صفحات بيضاء، فعليهم لزوم المحافظة على هذا الإنجاز العظيم قدر المستطاع، وإذا ما وقعت منهم سيئات بعد ذلك، لزمتهم المسارعة إلى التوبة والإنابة، تجاوباً مع أوامر ربهم لهم بالخصوص، حيث يقول عز وجل: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}(آل عمران:133)
فيا لها من أيام وليال مباركة جديرة أن ينتهزها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها للتوبة والاستغفار والإنابة.
سائلين الله العلي القدير أن يهدينا سواء السبيل، وأن ييسر لحجاج بيت الله الحرام الحج المبرور، والسعي المشكور، وأن يتوج حجهم بعفوه ومغفرته، وأن يردهم إلى أوطانهم سالمين غانمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الكريم محمد، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.
1 ذو الحجة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-08-02
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس