.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين دور الصبر على الابتلاء في تكفير الذنوب ورفع الدرجات  

==========================================================

 عن عَائِشَة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (ما من مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ، إلا كَفَّرَ الله بها عنه، حتى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا) (صحيح البخاري)
في خضم الابتلاءات والشدائد التي يتعرض لها الناس في حياتهم، يأتي هذا الحديث الشريف ليبلسم الجراح، ويأخذ باليد، ويؤنس المصابين بالبلوى، فحتى أصغر المصائب تساهم في محو آثار الذنوب والخطايا، فما يؤذيه من وخز شوكة يكفر من خطاياه، قال الأصمعي: شاكتني الشوكة إذا دخلت في جسدي، ويقال: أشكت فلاناً، أي آذيته بالشوكة. (عمدة القاري، 21/208)

أنواع من الابتلاءات التي تكفر الخطايا
إذا كان الحديث الشريف أعلاه، قد حدد سقفاً عاماً للابتلاءات التي تكفر الذنوب، فذكر مطلق المصائب، وسقفاً أدنى لها، متمثلاً بالشوكة التي توخز الجسد، فإن أنواع الابتلاءات من هذا القبيل لا تعد ولا تحصى، وقد أتت بعض النصوص الشرعية على ذكر بعضها، كما في قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 155)
ومعنى (لنبلونكم)؛ أي لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم؛ أتصبرون على البلاء، وتستسلمون للقضاء؟ {بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ}؛ أي بقليل من ذلك، فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم، وإنما أخبر به قبل الوقوع؛ ليوطنوا عليه نفوسهم، ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له، حسبما أخبر به؛ وليعلموا إنه شيء يسير، له عاقبة حميدة. (تفسير أبي السعود، 1/180)
وعن ابن عباس أن الابتلاء بالخوف هنا يعني خوف العدو، و(الجوع) يعني القحط، و(نقص من الأموال) بالخسران والهلاك، و(الأنفس) يعني بالقتل والموت، وقيل: بالمرض والشيب، و(الثمرات) يعني الجوائح في الثمار. (تفسير البغوي، 1/130) والمعنى والله أعلم يشمل ما ذكر وغيره، مما تحتمله معاني هذه الألفاظ ودلالاتها، إذ إن صور الابتلاء يصعب حصرها حتى في إطار أصنافه المذكورة في الآية الكريمة، وورد ذكر بعض أنواع الابتلاءات في حديث أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما يُصِيبُ الْمُسْلِمَ من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ، ولا حُزْنٍ، ولا أَذًى، ولا غَمٍّ، حتى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ الله بها من خَطَايَاهُ) (صحيح البخاري)
قوله: (من نصب) أي من تعب، و(لا وصب) أي مرض، و(لا هم) هو المكروه يلحق الإنسان، بحسب ما يقصده، و(الحزن) ما يلحقه بسبب حصول مكروه في الماضي، وهما من أمراض الباطن، و(الأذى) ما يلحقه من تعدي الغير عليه، و(الغم) ما يضيق على القلب، وقيل في هذه الأشياء الثلاثة، وهي: (الهم والغم والحزن) إن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده، وقيل: الغم والحزن بمعنى واحد، وقال الكرماني: الغم يشمل المكروهات جميعها؛ لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو للنفس. (عمدة القاري، 21/209)

أصناف المبتلين وأشدهم تعرضاً للمحن
تُثبت الآثار الشرعية الصحيحة أن الناس لا محالة متعرضون للمحن والمصاعب، والواقع يصدق ما جاء في مضامين تلك النصوص بالخصوص، حتى إن درجات الناس تتفاوت حيال ذلك، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، والمؤمن يكفر الله من خطاياه بما يصيبه من أنواع الابتلاءات وصنوفها، فالأنبياء، عليهم السلام، هم أفضل الخلق، أصابهم من البلاء الشيء الكثير، ونبينا أيضاً، عليه الصلاة والسلام، تعرض للابتلاءات وصبر واحتسب، وهكذا المؤمنون من الطبيعي أن يبتلوا، فعليهم الصبر والاحتساب، ولهم العاقبة الحميدة، ونبه الله تعالى إلى مكافأة الصابرين بحسن العاقبة، فقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.
وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً؟ قَالَ الأَنْبِيَاءُ: ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، وَيُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَدَعَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (صحيح ابن حبان 7/160)
والأمثل أفعل من المثالة، والجمع أماثل، وهم الفضلاء. (فتح الباري، 10/111)
ويتصدر الأمثلون قائمة المبتلين؛ لأن من كان أشد بلاء، كان أشد تضرعاً، والتجاءً إلى الله تعالى، فلا يلهو عن ذكر الله تعالى، ثم الأمثل فالأمثل؛ أي الأشرف والأعلى في المرتبة والمنزلة. (شرح سنن ابن ماجه، 1/291)
فالنبيون، عليهم السلام، كانوا أشد الناس تعرضاً للابتلاءات والمحن، سواء في أنفسهم أم أبنائهم، أم بسبب اضطهاد أعدائهم، وقصص نوح وإبراهيم وأيوب وهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد وبقية إخوانهم، عليهم الصلاة والسلام جميعاً، تشهد على ضراوة المصائب التي تعرضوا لها فصبروا، حتى عجز الصبر عن صبرهم، وحث الله على الاقتداء بصبر أولي العزم منهم، فقال سبحانه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ...}. (الأحقاف:35)

غاية الابتلاء
من أبرز غايات الابتلاء التمحيص والاختبار، فالله تعالى يقول:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31)
فالمؤمن يبتلى كما ابتلي الرسل، تارة بتسليط الأعداء، وتارة بالأمراض، وتارة بالخوف، وتارة بالفقر، إلى غير ذلك، فإذا صبر على البلوى، واتقى الله، فله خير عظيم، فعظم الجزاء يكون مع عظم البلاء.
وعن أَبي هُرَيْرَة، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من يُرِدْ الله بِهِ خَيْرًا، يُصِبْ منه) (صحيح البخاري)
وفي عمدة القاري، أن قوله: (يُصِبْ منه) بضم الياء، وكسر الصاد، والضمير الذي فيه يرجع إلى الله سبحانه، ومعناه أن الله يبتليه بالمصائب، وقيل: يوصله الله إلى مصيبة ليطهره من الذنوب، وقال ابن الجوزي: أكثر المحدثين يرويه بكسر الصاد (يصِب) وعن ابن الخشاب بفتح الصاد (يُصَب) وقيل إن هذا أحسن وأليق، فقال الطيبي: الفتح أحسن للأدب، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (الشعراء:80)، وقال الزمخشري: أي نيل منه بالمصائب، فعلى الفتح يكون (يُصَب) على صيغة المجهول. (عمدة القاري، 21/211)

مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ من الزَّرْعِ
من الأحاديث الشريفة التي وصفت حال المؤمن عند تعرضه للمحن، مقارنة مع حال المنافق في مثل تلك الأحوال، ما روي عن عبد اللَّهِ بن كَعْبٍ، عن أبيه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ من الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالْأَرْزَةِ، لا تَزَالُ حتى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً) (صحيح البخاري)
جاء في عمدة القاري، أن الخامة، هي: الشجرة الغضة الرطبة من النبات، أول ما ينبت، وقيل: هي الطاعة الغضة منه، وقيل: هي الشجرة الغضة الرطبة، والمراد من تشبيه المؤمن بالخامة، في كونه تارة يصح، وتارة يضعف، كالخامة؛ تحمر، ثم تصفر، فلا تبقى على حالة واحدة، وقوله: (تفيئها الريح) أي تميلها، وقيل ترقدها، وأصله من فاء إذا رجع، وقوله: (وتعدلها أخرى) بفتح التاء وكسر الدال؛ أي ترفعها، وقوله: (ومثل المنافق كالأرزة) قيل: الأرز معروف، واحدته أرزة، وهو الذي يقال له الصنوبر.
وقوله: (انجعافها)؛ أي انقلاعها، وقال المهلب: معنى هذا الحديث أن المؤمن إذا جاءه أمر الله انصاع له، ولان، ورضي به، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير، وإذا سكن البلاء اعتدل قائماً، بالشكر لربه على البلاء، بخلاف الكافر؛ فإن الله عز وجل قد لا يتفقده باختبار، بل يعافيه في دنياه، وييسر عليه أموره؛ ليعسر عليه في معاده، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه، قصم الأرزة الصماء؛ ليكون موته أشد عذاباً عليه وألماً. (عمدة القاري، 21/ 209ـ210)
فالمحن والابتلاءات صنوف شتى، منها ما يصيب الجسد، ومنها ما يكون في الأهل والعيال والولد، ومنها ما يكون في المال، ولا تنحصر بزمان أو مكان، وما أحوج المضطهدين في الأرض، وبخاصة المؤمنين منهم، إلى تلمس العظات والعبر
من منهجية الابتلاء وغاياته وحتميته، وصنوف المتعرضين له ومواقفهم منه، عسى أن يجدوا في ذلك ما يضمد جراحهم، ويواسيهم في مصائبهم، ويوجههم للاقتداء بالنبيين، وخاتمهم محمد، عليه وإياهم صلوات الله وسلامه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
6 جمادى الأولى 1438هـ

تاريخ النشر  2017-02-03
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس